فتوى الحاخامات تهزم أوامر القادة.. أزمة تمرد ديني تعصف بلواء «جفعاتي» الإسرائيلي

في حادثة تعكس عمق الأزمة الداخلية داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، رفض جنود من كتيبة «روتم» التابعة للواء «جفعاتي» تنفيذ مهمة ميدانية استغرقت ساعتين، بسبب وجود مسعفة ضمن الطاقم على متن ناقلة الجنود المدرعة، بحسب تحليل مها علي، الباحثة والمترجمة في الشئون الإسرائيلية.
ورغم استصدار القادة فتوى من حاخام الوحدة العسكرية تجيز الخروج للمهمة بداعي «الضرورات تبيح المحظورات»، إلا أن الجنود شككوا في السياسة العسكرية واستفتوا حاخاماتهم المدنيين خارج المؤسسة، والذين أفتوا بانتهاك المهمة للضوابط الدينية لعدم وجود طابع طارئ أو إنقاذ أرواح، مما دفع الجنود لرفض الأوامر بشكل قاطع وتأجيل المهمة بالكامل لعدم وجود بدلاء، ليُكتفى بعقابهم إدارياً بنقلهم للمطبخ، وفق تحليل لـ «مها».
وذكرت مها علي، أن هذه الواقعة تفتح الملف الشائك لمنتسبي برنامج «يشيفات هسيدر»، وهو المسار الذي يدمج بين الدراسة الدينية والخدمة العسكرية وفق شروط واضحة تقرها قيادة الجيش، وعلى رأسها الفصل التام بين الجنسين أثناء الخدمة إلا في الحالات التشغيلية الحرجة.
وأوضحت أن الحادثة كشفت عن تضارب صريح في مصادر السلطة وتآكل الهيكل القيادي؛ حيث أثبتت أن الولاء المباشر لهؤلاء الجنود ينصاع لتوجيهات الحاخامات المدنيين وليس للتسلسل القيادي العسكري، مما جعل القيادة تبدو عاجزة ومقيدة أمام النفوذ المتصاعد للمؤسسة الدينية على قرارات الأفراد داخل الثكنات.
ولم تكن هذه الحادثة سوى حلقة في سلسلة من الانتهاكات المتكررة التي بدأت تتسع وتتحول إلى ظاهرة داخل مختلف الوحدات خلال الفترة الأخيرة. وتزامناً مع استفحال هذه الظاهرة، فتح الجيش تحقيقيلاً شاملاً لتحديد المسؤوليات وتقييم مدى أهمية المهمة التي تم إلغاؤها، وسط تزايد المخاوف من تحول هذا النهج التمردي إلى سلوك عام يعطل العمليات الميدانية الروتينية، ويضع ضوابط الشريعة فوق أوامر الحرب والخدمة اليومية.
وبحسب مها علي، تأتي هذه الاختراقات القيادية في وقت حساس يحذر فيه رئيس الأركان، إيال زامير، في اجتماعاته المتكررة مع القادة من «رايات حمراء» وشيكة، مؤكداً أن الأوضاع الداخلية على وشك الانفجار وأن المنظومة تواجه خطر التآكل الذاتي.
وفي ظل تحذيراته المستمرة من اشتعال الأوضاع الميدانية في الضفة الغربية والجبهات الخارجية، تبرز الأزمة الهيكلية للجيش الذي بات عاجزاً عن حسم مركزية القرار، والتأكيد على هويته كمؤسسة تابعة لدولة مدنية تخضع لأوامر القادة لا لفتوى الحاخامات.
وأوضحت مها علي، أن المواجهة الحقيقية التي تواجه رئيس الأركان اليوم لا تقتصر على الاحتواء الميداني للجبهات الملتهبة، بل تبدأ من ترتيب البيت الداخلي وإعادة فرض الهيبة القيادية على الجنود. فقبل التصدع أمام الخصوم في الخارج، بات من الضروري الإجابة عن السؤال الصريح حول طبيعة هذا الجيش ولمن يعود الولاء الأول لجنوده: هل هي للقيادة العسكرية والأوامر الرسمية، أم للحاخامات والسلطات الدينية التي باتت تملي قراراتها من خارج أسوار المؤسسة العسكرية.

