النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

بين بيروت وبغداد.. الحكومات تتحرك لحصر السلاح والفصائل تتمسك بشروطها

بين بيروت وبغداد.. معركة الدولة مع السلاح خارج المؤسسات.
أحمد مرعي -

تشهد كل من لبنان والعراق تحركات رسمية متزايدة باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، في خطوة تعكس رغبة الحكومتين في تعزيز سيادة المؤسسات الرسمية وإنهاء تعدد مراكز القرار العسكري والأمني، لكن هذه التحركات تصطدم بمواقف فصائل مسلحة ترى أن التخلي عن السلاح لا يمكن أن يتم بصورة منفصلة عن الظروف السياسية والأمنية المحيطة بكل دولة.

في لبنان، تؤكد الحكومة على حصرية السلاح بيد الدولة، فيما دخل ملف سلاح حزب الله في صلب النقاش حول مستقبل الدولة والعلاقة مع إسرائيل. وقد أعلنت الحكومة اللبنانية إجراءات أكثر تشددًا تجاه النشاط العسكري للحزب، بينما يربط الحزب موقفه من السلاح بالتهديدات الإسرائيلية وبالحاجة إلى ضمانات تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي والأمن اللبناني. 

أما في العراق، فتتحرك حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي باتجاه وضع إطار قانوني لحصر السلاح بيد الدولة، مع تأكيد رسمي على أن الهدف هو تعزيز سلطة القانون دون الدخول في مواجهة عسكرية مع الفصائل. وأعلنت الحكومة أن برنامج حصر السلاح مستمر، في الوقت الذي تختلف فيه مواقف الفصائل حول آليات التنفيذ وتوقيته. 

والتشابه بين التجربتين يتمثل في أن الحكومتين تنطلقان من مبدأ واحد: لا يمكن بناء دولة قوية مع وجود سلاح خارج القرار الرسمي. لكن الاختلاف يكمن في طبيعة البيئة المحيطة؛ ففي لبنان يرتبط الملف بشكل مباشر بالصراع مع إسرائيل والحدود الجنوبية والانسحاب الإسرائيلي، بينما يرتبط في العراق بتعدد الفصائل المسلحة، ومستقبل الحشد الشعبي، وانتهاء مهمة التحالف الدولي.

ويرى العديد من الخبراء والمتخصصين ، أن المقارنة بين لبنان والعراق تكشف أن ملف السلاح لم يعد مجرد قضية أمنية داخلية، وإنما أصبح جزءاً من إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة، ومن شكل الدولة العربية في المرحلة المقبلة.

فالحكومتان تحاولان الانتقال من مرحلة تعدد القوى المسلحة إلى مرحلة يكون فيها القرار العسكري والأمني أكثر ارتباطاً بمؤسسات الدولة.

لكن التحدي الأكبر يتمثل في أن الفصائل لا تتعامل مع مسألة السلاح باعتبارها قضية قانونية فقط، وإنما تربطها بالتهديدات الخارجية وبالضمانات السياسية والأمنية. ولهذا فإن الوصول إلى تسوية لن يكون مجرد قرار حكومي بتسليم السلاح، وإنما يحتاج إلى تفاهم سياسي شامل يحدد مستقبل الفصائل ودورها وضمانات أمنها وموقعها داخل الدولة.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن العراق يحاول الوصول إلى صيغة تدريجية، مع تجنب الصدام المباشر مع الفصائل، بينما يبدو لبنان أمام مسار أكثر حساسية بسبب ارتباط سلاح حزب الله بالمواجهة مع إسرائيل.

وفي الحالتين، تظل قدرة الحكومات على تنفيذ قراراتها مرتبطة بمدى قدرتها على تحقيق توافق داخلي ومنع تحول ملف السلاح إلى مواجهة جديدة. 

وبحسب الخبراء، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط حول نزع السلاح، وإنما حول من يمتلك قرار الحرب والسلام ومن يحدد السياسة الأمنية للدولة. وإذا نجحت بيروت وبغداد في الوصول إلى صيغ سياسية تستوعب الفصائل داخل مؤسسات الدولة، فقد يمثل ذلك تحول مهم في المنطقة. أما إذا تم التعامل مع الملف باعتباره مجرد عملية أمنية لنزع السلاح، فقد يؤدي ذلك إلى مزيد من الاستقطاب والصدام.