سوريا بين نار إسرائيل وطاولة التفاوض.. هل تلعب دمشق لعبة كسب الوقت ؟

في مشهد يجمع بين التصعيد العسكري والاتصالات السياسية، تجد سوريا نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: إسرائيل تواصل ضرب أهداف داخل الأراضي السورية، بينما تؤكد دمشق في الوقت نفسه استعدادها لاستئناف المفاوضات الأمنية مع تل أبيب. وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني قال، إن بلاده تأمل في استئناف المفاوضات قريباً، رغم غياب الثقة بين الطرفين، مؤكداً أن أي اتفاق يجب أن يوقف الهجمات الإسرائيلية ويحترم سيادة سوريا.
هذا المسار جاء بعد أيام من الضربة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور في إدلب، والتي استهدفت مدرجات ومنشآت عسكرية في ثماني غارات. وبررت إسرائيل الهجوم بمنع وجود عسكري تركي في القاعدة، بينما نفت دمشق وأنقرة وجود خطط لإنشاء قاعدة تركية أو نشر قوات تركية بشكل دائم هناك.
ويرى الباحث السوري نوار شعبان، المتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية، أن الضربة الإسرائيلية لا تتعلق فقط بتهديد عسكري سوري قائم، وإنما بمحاولة منع دمشق من إعادة بناء قدراتها العسكرية مستقبلاً، خصوصاً إذا جاء هذا البناء بمساعدة تركيا.
وبحسب شعبان، فإن إسرائيل تبدو وكأنها ترسم «خطاً أحمر» أمام إعادة بناء البنية العسكرية السورية، بما يحافظ على حرية الحركة الإسرائيلية في المجال الجوي السوري.
وفي قراءة أخرى، اعتبر خبراء أن رسالة أبو الظهور لم تكن موجهة إلى دمشق وحدها، وإنما إلى أنقرة أيضاً، باعتبار أن القاعدة تقع داخل نطاق النفوذ التركي في شمال سوريا. وهو ما يجعل الصراع يتجاوز مسألة الحدود السورية الإسرائيلية إلى صراع أوسع على شكل سوريا الجديدة ومن يملك التأثير الأكبر في مؤسساتها العسكرية والأمنية.
لكن السؤال الأهم: لماذا تتمسك دمشق بالتفاوض في الوقت الذي تتعرض فيه لضربات إسرائيلية ؟
القراءة الأكثر واقعية أن الحكومة السورية تدرك أن ميزان القوة العسكري ليس في صالحها حالياً، ولذلك تحاول استخدام التفاوض كأداة لخفض التصعيد وكسب الوقت لإعادة بناء مؤسسات الدولة والجيش، والحصول على دعم إقليمي، خصوصًا من تركيا.
الشيباني نفسه قال إن دمشق كانت قد قطعت شوطًا مهم في اتفاق أمني بوساطة أمريكية، قبل أن تتراجع إسرائيل عن بعض التزاماتها.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة؛ فكلما طال التفاوض من دون وقف الضربات، ازدادت قدرة إسرائيل على فرض وقائع ميدانية جديدة. وفي المقابل، فإن استمرار القصف قد يدفع دمشق إلى تعزيز علاقاتها العسكرية مع تركيا، وهو السيناريو الذي تخشاه إسرائيل وتعتبره تهديداً متناميًاً
واللافت أن الولايات المتحدة بدأت تشعر بخطورة هذا المسار؛ إذ وصف مبعوثها إلى سوريا توم باراك ضربة أبو الظهور بأنها «غير ضرورية»، ودعا إلى آلية لمنع الاحتكاك بين إسرائيل وتركيا وسوريا. كما أشارت تقارير إلى أن الضربة الإسرائيلية لم تسبقها، وفق الرواية الأمريكية، آلية تنسيق واضحة مع واشنطن.
وبذلك، لا تبدو دمشق وكأنها تختار بين الحرب والتفاوض، وإنما تحاول استخدام التفاوض لشراء الوقت، ورفض الضربات الإسرائيلية دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية لا تملك أدواتها حالياً.
المعضلة أن الوقت يعمل في الاتجاهين: يمنح سوريا فرصة لإعادة بناء قوتها وتحسين موقعها الإقليمي، لكنه يمنح إسرائيل أيضاً فرصة لترسيخ قواعد أمنية جديدة داخل الأراضي السورية.

