سمك يتحول إلى «خشب».. ما قصة الكاتسوبوشي الياباني؟

قد يبدو للوهلة الأولى كأنه قطعة خشب مصقولة، لكنه في الحقيقة منتج غذائي مصنوع من السمك، ويُعد أحد أكثر المكونات غرابة في المطبخ الياباني.
إنه الكاتسوبوشي (Katsuobushi)، وهو نوع من أسماك التونة المعالجة التي تمر برحلة تصنيع طويلة ومعقدة تمتد لأشهر، قبل أن تتحول إلى قطعة شديدة الصلابة تُبشر إلى رقائق رفيعة وتستخدم في تحضير مرق «الداشي» الياباني الشهير.
وترجع جذور هذا المنتج التقليدي إلى فترة إيدو في اليابان، التي امتدت من عام 1603 إلى 1868، ولا يزال حاضرًا حتى اليوم في عدد كبير من الأطباق اليابانية.
البداية.. سمك التونة
تبدأ صناعة الكاتسوبوشي باستخدام سمك تونة الوثاب، المعروف أيضًا باسم البونيتو.
وتُسلق قطع السمك أولًا لمدة تقارب 90 دقيقة، ثم تُنظف بعناية لإزالة العظام والدهون.
وفي هذه المرحلة، تكون نسبة الرطوبة في السمك مرتفعة، لذلك تبدأ بعد ذلك رحلة طويلة تهدف إلى التخلص التدريجي من المياه ومنع اللحم من التلف.
شهر كامل من التدخين
بعد تنظيف السمك، تأتي مرحلة التدخين.
تُدخن قطع السمك باستخدام الخشب الطبيعي لعدة ساعات يوميًا، وتتكرر العملية مرات عديدة على مدار نحو شهر كامل.
ومع استمرار التدخين، تنخفض كمية المياه الموجودة داخل السمك بشكل كبير، لتصل نسبة الرطوبة إلى نحو 28%، وهو ما يساعد على حمايته من التعفن ويمنحه قوامًا أكثر صلابة.
لكن هذه ليست نهاية الرحلة.
الفطر الذي يحول السمك إلى «خشب»
المرحلة الأكثر غرابة في صناعة الكاتسوبوشي تبدأ باستخدام نوع من الفطريات يعرف باسم Aspergillus glaucus.
تُرش قطع السمك بالفطر ثم تحفظ في غرف دافئة، قبل أن تمر بفترات متكررة من التجفيف تحت أشعة الشمس.
ويعمل الفطر على استهلاك ما تبقى من الرطوبة داخل السمك، بينما تساعد عمليات التجفيف المتكررة على خفضها إلى مستويات شديدة الانخفاض.
وفي الوقت نفسه، تسهم الإنزيمات الناتجة عن عملية المعالجة في تفكيك البروتينات والدهون، ما يساعد على تكوين المركبات المسؤولة عن النكهة الغنية التي تشتهر بها المكونات اليابانية المعروفة باسم «الأومامي».
لماذا يصبح بهذه الصلابة؟
مع استمرار مراحل التدخين والتخمير والتجفيف، يفقد السمك معظم رطوبته، ويتحول تدريجيًا إلى قطعة صلبة للغاية.
وبحلول نهاية العملية، يصبح الكاتسوبوشي أقرب في شكله وقوامه إلى قطعة من الخشب أو الحجر منه إلى قطعة سمك تقليدية.
ولهذا السبب، لا يتم تناوله عادةً كما هو، بل يُستخدم مبشر خاص لتحويله إلى شرائح رقيقة للغاية.
ما علاقة الكاتسوبوشي بحساء الميسو؟
تكمن أهمية الكاتسوبوشي الحقيقية في استخدامه كأحد المكونات الأساسية لتحضير مرق الداشي، وهو أحد أهم أنواع المرق في المطبخ الياباني.
ويدخل الداشي في إعداد مجموعة واسعة من الأطباق، من بينها حساء الميسو ومعكرونة السوبا وغيرها من الأطعمة اليابانية.
وعند بشر الكاتسوبوشي إلى رقائق رقيقة وإضافتها إلى الماء الساخن، تنتقل مركبات النكهة الموجودة فيه إلى المرق، لتمنحه الطعم العميق المعروف باسم «الأومامي».
وهكذا، فإن قطعة السمك التي تحتاج إلى أشهر من المعالجة حتى تصبح شديدة الصلابة، تتحول في النهاية إلى رقائق رقيقة تمنح أطباقًا يابانية شهيرة نكهتها المميزة.
تقليد عمره قرون
وراء غرابة الكاتسوبوشي قصة مرتبطة بتاريخ اليابان ومطبخها التقليدي.
فهذا المنتج ليس مجرد طريقة غريبة لحفظ السمك، وإنما نتيجة قرون من تطوير أساليب المعالجة والتجفيف التي ساعدت على إطالة عمر الطعام والحفاظ عليه.
واليوم، يظل الكاتسوبوشي مثالًا واضحًا على الطريقة التي يمكن بها لتقنيات حفظ الطعام القديمة أن تتحول إلى جزء أساسي من هوية مطبخ كامل.
ومن سمكة طازجة إلى قطعة تكاد تشبه الخشب، ثم إلى رقائق دقيقة تدخل في طبق ساخن، يقدم الكاتسوبوشي واحدة من أغرب الرحلات التي يمكن أن يمر بها طعام قبل أن يصل إلى المائدة.

