هل تضعف الشاشات قدرتنا على التفكير؟.. العلم يبحث عن الإجابة

هل أصبحنا أقل قدرة على التركيز والتفكير وحل المشكلات بسبب الوقت الطويل الذي نقضيه أمام الشاشات؟
هذا السؤال لم يعد مجرد انطباع شائع، إذ تشير مجموعة من الدراسات والبيانات الحديثة إلى تراجع بعض المهارات الذهنية لدى فئات عمرية مختلفة، من القراءة والكتابة والحساب إلى القدرة على التفكير المنطقي وحل المشكلات الجديدة.
لكن الباحثين لا يقدمون إجابة بسيطة تقول إن التكنولوجيا تجعل الإنسان «أقل ذكاءً»؛ فالعلاقة تبدو أكثر تعقيدًا، وقد يكون العامل الأهم هو كيف نستخدم التكنولوجيا، ونوع المحتوى الذي نستهلكه من خلالها.
هل تتراجع مهارات التفكير فعلًا؟
بحسب تحليل نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» لعدد من الدراسات الدولية، شهدت السنوات الأخيرة تراجعًا في بعض المهارات المرتبطة بالقراءة والرياضيات وحل المشكلات.
وتظهر بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن أداء المراهقين البالغين 15 عامًا في القراءة والرياضيات والعلوم وصل إلى مستويات مرتفعة عام 2012، قبل أن تبدأ النتائج في التراجع خلال السنوات التالية.
ولا يقتصر الأمر على المراهقين؛ إذ تشير بيانات أخرى إلى أن بالغين من أعمار مختلفة يواجهون أيضًا صعوبات متزايدة في بعض المهارات، من بينها التفكير المنطقي والحساب وحل المشكلات.
وهنا يطرح الباحثون سؤالًا أكبر: هل أصبحت الطريقة التي نعيش ونتعلم ونستهلك بها المعلومات تؤثر في قدراتنا الذهنية؟
هل الهاتف هو السبب؟
يربط بعض الباحثين جزءًا من هذه التغيرات بالانتشار الواسع للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، خصوصًا مع الاعتماد المتزايد على المحتوى القصير والسريع.
فبدلًا من قضاء وقت طويل في قراءة كتاب أو مقال، أصبح من السهل الانتقال خلال ثوانٍ بين عشرات المقاطع والمنشورات والصور.
وقد يؤثر هذا النمط من الاستهلاك في الوقت الذي نخصصه للأنشطة التي تتطلب تركيزًا مستمرًا وتفكيرًا أعمق، مثل القراءة الطويلة والتعلم وحل المشكلات.
لكن هذا لا يعني أن مجرد استخدام الهاتف يؤدي تلقائيًا إلى تراجع القدرات الذهنية.
المشكلة قد تكون في طريقة استخدام التكنولوجيا
لا يرى الخبراء أن الإنترنت أو التكنولوجيا يمثلان المشكلة في حد ذاتهما.
فالأجهزة الرقمية يمكن أن تكون أدوات قوية للتعلم والبحث والوصول إلى المعلومات، لكن تصميم بعض المنصات يشجع على الانتقال المستمر بين المحتويات، ويجعل المستخدم أمام تدفق لا ينتهي من المعلومات.
ومع مرور الوقت، قد يصبح الانتقال السريع بين موضوع وآخر نمطًا اعتياديًا، في حين يقل الوقت المخصص للتركيز على مهمة واحدة أو قراءة محتوى طويل.
لذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: «هل تجعلنا الشاشات أقل ذكاءً؟»، وإنما: «هل الطريقة التي نستخدم بها الشاشات تترك لنا وقتًا كافيًا للتفكير والتعلم بعمق؟»
ماذا يحدث للتركيز والذاكرة؟
من بين المخاوف التي يناقشها الباحثون تأثير الاستهلاك المستمر للمحتوى السريع على الانتباه.
فالانتقال المتكرر بين الإشعارات والمقاطع والمنشورات يمكن أن يجعل الدماغ معتادًا على الحصول على معلومات جديدة بصورة مستمرة، بينما تتطلب القراءة والتعلم العميق فترة أطول من التركيز دون مقاطعة.
كما أن تقليل الوقت المخصص للقراءة الطويلة والتعلم قد يحرم الإنسان من ممارسة بعض المهارات التي تحتاج إلى تدريب مستمر، مثل تحليل المعلومات وربط الأفكار واستنتاج النتائج.
وهنا يجب التمييز بين التأثير المباشر للشاشات وبين التأثير غير المباشر الناتج عن استبدالها لأنشطة أخرى مفيدة للدماغ.
لماذا يمثل الأمر مشكلة أكبر من مجرد التركيز؟
لا تتعلق القضية بالقدرة على التركيز فقط.
فضعف مهارات القراءة والتفكير النقدي قد يجعل الشخص أكثر عرضة لتصديق المعلومات المضللة، خصوصًا في بيئة رقمية تمتلئ بالمحتوى المتضارب والمعلومات غير الدقيقة.
وكلما أصبح الوصول إلى المعلومة أسرع، زادت الحاجة إلى القدرة على التحقق منها، ومقارنة المصادر، وفهم السياق قبل تصديقها أو مشاركتها.
ولهذا، فإن امتلاك هاتف ذكي والوصول إلى ملايين المعلومات لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على استخدامها بشكل جيد.
هل الحل هو الابتعاد عن الشاشات؟
ليس بالضرورة.
بدلًا من التعامل مع التكنولوجيا باعتبارها عدوًا للقدرات الذهنية، قد يكون الحل في تحقيق قدر أكبر من التوازن.
ويمكن أن يشمل ذلك تخصيص وقت يومي للقراءة الطويلة، وتقليل التصفح العشوائي، وإيقاف الإشعارات غير الضرورية، وممارسة أنشطة تتطلب تركيزًا متواصلًا، إلى جانب استخدام الإنترنت كأداة للتعلم وليس فقط للاستهلاك السريع للمحتوى.
وفي النهاية، لا تقدم الدراسات المتاحة إجابة بسيطة تثبت أن الشاشات «تجعلنا أقل ذكاءً». لكنها تطرح سؤالًا أكثر أهمية حول الطريقة التي غيرت بها التكنولوجيا عاداتنا في القراءة والتعلم والتركيز والتفكير.
فربما لا تكون المشكلة في امتلاكنا مزيدًا من الشاشات، وإنما في الوقت الذي تسمح لنا هذه الشاشات بأن نقضيه في التفكير بعيدًا عنها.

