خبير عسكري: تعبئة روسية محتملة بـ300 ألف جندي تفرض أسئلة حول أهداف موسكو وقدرة أوكرانيا

قال الدكتور سيد غنيم، زميل كلية الحرب العليا وأستاذ زائر في حلف شمال الأطلسي والأكاديمية العسكرية الملكية ببروكسل، إن تكرار التحذيرات الأوكرانية بشأن استعداد روسيا لتنفيذ موجة تعبئة جديدة تقدر بنحو 300 ألف جندي، وبحجم يقارب تعبئة عام 2022، يستحق التوقف والتحليل، رغم النفي المتكرر من موسكو لهذه المعلومات.
وأوضح غنيم، في منشور عبر حسابه على منصة "فيسبوك"، أن تكرار التحذيرات خلال فترة زمنية قصيرة، بالتزامن مع حديث أوكراني عن استعدادات لوجستية روسية واحتمال ارتباط موعد التعبئة بمرحلة ما بعد الانتخابات البرلمانية الروسية المقبلة، يجعل القضية تتجاوز مجرد التصريحات السياسية والإعلامية، خصوصاً مع تكرار الحديث الأوكراني عن العدد نفسه من القوات وتطور طبيعة المعلومات المعلنة بشأن الاستعدادات الروسية.
تحذيرات أوكرانية متكررة
وأشار الخبير العسكري إلى أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي سبق أن أعلن في أبريل 2024 أن روسيا تخطط لحشد 300 ألف جندي بحلول يونيو من العام نفسه، قبل أن تتكرر التحذيرات بشأن تعبئة روسية جديدة خلال العام الجاري.
وأضاف أنه في منتصف يوليو 2026، كشفت مراكز رصد استخباراتية أوكرانية، من بينها مركز مكافحة التضليل التابع لكييف، عن تقارير تتحدث عن تجهيز الكرملين البنية التحتية العسكرية لاستيعاب موجة حشد تقدر بنحو 300 ألف جندي بعد انتخابات سبتمبر.
ولفت إلى أن زيلينسكي عاد في 11 أغسطس 2026 للحديث للمرة الثالثة عن استعداد روسيا لموجة تعبئة خريفية، مستنداً، بحسب ما أعلنه، إلى وثائق استخباراتية داخلية مسربة، قبل أن يصدر في 23 أغسطس تصريح جديد اعتبره غنيم تحديثاً وتأكيداً رسمياً أمام وسائل الإعلام العالمية، تحدث فيه عن عزم روسي محتمل لتعبئة 300 ألف جندي بحلول الخريف، مع تحديد مناطق انتشار متوقعة وموعد لوجستي مرتبط بانتهاء الانتخابات البرلمانية الروسية المقبلة.
وأكد غنيم أن موسكو نفت هذه المعلومات في كل مرة، مشيراً إلى أن تكرار التحذيرات الأوكرانية يفتح الباب أمام خمسة أسئلة رئيسية تتعلق بأسباب تكرار الحديث عن التعبئة، ودقة المعلومات المتداولة، وأهداف موسكو المحتملة، وطبيعة استخدام القوات الجديدة، والإجراءات التي يمكن أن تتخذها كييف لمواجهتها.
لماذا يكرر زيلينسكي التحذير؟
ويرى غنيم أن تكرار زيلينسكي الحديث عن تعبئة روسية محتملة يرتبط بعدة أهداف، في مقدمتها محاولة كشف خطط الكرملين وإفساد عنصر المفاجأة، إلى جانب الضغط على الدول الأوروبية لتسريع إرسال الأسلحة والحفاظ على مستوى الدعم المالي والعسكري المقدم لأوكرانيا.
وأضاف أن كييف تسعى، من خلال تثبيت ما وصفه بـ«حجة الخطر الأكبر»، إلى توفير مبرر عسكري مستمر أمام البرلمانات الغربية للموافقة على صفقات أسلحة ضخمة، بما يشمل الطائرات ومنظومات الدفاع الجوي، وعدم السماح بتراجع الدعم المقدم لأوكرانيا.
وأشار إلى أن أحد الأهداف المحتملة يتمثل كذلك في الضغط على الجبهة الداخلية الروسية، من خلال إثارة القلق بين الشباب الروس ودفع بعضهم إلى مغادرة البلاد، خصوصاً مع استدعاء تجربة تعبئة عام 2022 التي بلغت نحو 300 ألف جندي.
كما يرى غنيم أن التحذيرات تخدم هدفاً داخلياً أوكرانياً يتمثل في إقناع المجتمع بأهمية التجنيد، وتبرير القوانين الأكثر صرامة وخفض سن التعبئة باعتبارها إجراءات اضطرارية لمواجهة احتمال حشد روسي جديد.
مؤشرات على تعبئة محتملة
وعن أسباب تكرار التحذيرات ثلاث مرات خلال يوليو وأغسطس الجاري، قال غنيم إن أحد الاحتمالات يتمثل في ارتفاع مستوى الثقة بالمعلومات هذه المرة، مع وصول مؤشرات استخباراتية جديدة تتحدث عن بدء تجهيز معسكرات التدريب الروسية.
وأضاف أن احتمال اقتراب موعد التعبئة يمثل عاملاً آخر في تفسير تكرار التحذيرات، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية الروسية في سبتمبر، الذي تتوقع كييف أن يكون نقطة زمنية محتملة لبدء عملية الحشد والتعبئة.
وأوضح أن هذا السيناريو، في حال صحته، يعني أن الحديث الأوكراني لم يعد يقتصر على توقع سياسي عام، وإنما يستند، وفق الرواية التي تقدمها كييف، إلى مؤشرات تتعلق بالتحضير اللوجستي والبنية التحتية اللازمة لاستيعاب القوات الجديدة.
أهداف الحشد الروسي
ويقدر غنيم أن الهدف الأول المحتمل من أي تعبئة روسية واسعة سيكون تعويض النقص البشري في صفوف القوات الموجودة على الجبهة، في ظل ما يصفه بتراجع معدلات التجنيد التطوعي وتزايد حجم الخسائر البشرية.
ويرى أن الهدف الثاني يتمثل في محاولة حسم الجبهة الشرقية عبر السيطرة الكاملة على إقليم دونيتسك، بالتوازي مع تأمين مناطق عازلة وحماية الحدود والعمق الروسي من الضربات الأوكرانية.
وأضاف أن موسكو قد تسعى كذلك إلى إنهاك أوكرانيا بشرياً، بهدف دفعها إلى قبول شروط روسية في أي مفاوضات مقبلة، فضلاً عن أن عملية الحشد، إذا تمت، يمكن أن تكون جزءاً من استراتيجية عسكرية أطول مدى تهدف إلى رفع قوام الجيش الميداني الجديد إلى نحو نصف مليون جندي عبر موجات تعبئة إضافية تمتد حتى عام 2027.
توزيع القوات الجديدة
وفي ما يتعلق بمناطق تجنيد القوات المعبأة وانتشارها، توقع غنيم أن تحرص موسكو على تجنيد نسبة كبيرة منها من الأقاليم الروسية البعيدة والنائية، مع نشر قوات أخرى لحماية المدن الكبرى.
وأوضح أن السلطات الروسية قد تتعمد تقليل مستويات التجنيد في مدن رئيسية مثل موسكو وسانت بطرسبرغ، لتجنب إثارة غضب شعبي أو احتجاجات داخلية في المراكز السكانية الكبرى، بما يجعل توزيع أعباء التعبئة عاملاً مهماً في إدارة تداعياتها السياسية والاجتماعية.
لماذا لا تتجه موسكو غرباً؟
ورداً على التساؤل بشأن سبب عدم استخدام روسيا قوة إضافية بهذا الحجم لعبور نهر دنيبر والتقدم غرباً باتجاه كييف وأوديسا، قال غنيم إن طبيعة المانع المائي تمثل أحد أبرز العوائق أمام مثل هذا السيناريو، موضحاً أن اتساع نهر دنيبر وتدمير الجسور يجعل عمليات العبور محفوفة بمخاطر كبيرة أمام الطائرات المسيرة الأوكرانية.
وأضاف أن قواماً يبلغ 300 ألف جندي لا يكفي، من وجهة نظره، لتنفيذ عملية واسعة للسيطرة على مدن محصنة مثل كييف أو أوديسا، والتي تتطلب أعداداً أكبر بكثير من القوات، فضلاً عن صعوبة تأمين الإمدادات اللازمة لهجوم واسع باتجاه الغرب.
وأوضح أن أي تقدم روسي لمسافات طويلة سيؤدي إلى تمديد خطوط الإمداد، ما يزيد من إمكانية استهدافها وقطع إمدادات الوقود والذخيرة، إلى جانب الحاجة إلى توفير غطاء جوي كافٍ لحماية القوات البرية المهاجمة.
وأشار إلى أن موسكو تركز، وفق تقديره، على السيطرة التدريجية على إقليم دونيتسك وتأمين حدودها بدلاً من خوض مغامرة عسكرية واسعة باتجاه العمق الأوكراني.
استعدادات أوكرانية
وفي المقابل، قال غنيم إن أوكرانيا تعمل على تعديل قوانين التجنيد، وتدرس خفض الحد الأقصى لسن التعبئة وتسهيل إجراءات استدعاء قوات الاحتياط بهدف زيادة أعداد الجنود المتاحين للخدمة.
وأضاف أن كييف تقدم أيضاً عروضاً تتضمن حوافز وعقود خدمة قصيرة المدة تبدأ من عشرة أشهر للشباب المتطوعين، إلى جانب مكافآت مالية بهدف زيادة الإقبال على الخدمة العسكرية.
وعلى المستوى الخارجي، تضغط أوكرانيا للحصول على مزيد من الأسلحة الغربية، من خلال تكثيف تحركاتها الدبلوماسية لتأمين منظومات دفاع جوي إضافية وطائرات مقاتلة متطورة، تحسباً لأي حشد روسي واسع خلال المرحلة المقبلة.
كما تعمل القوات الأوكرانية، بحسب غنيم، على تعزيز دفاعاتها الجوية والبرية، وتسريع بناء خطوط دفاعية وهندسية، مع تكثيف استخدام الطائرات المسيرة لحماية الجبهات الشرقية ومناطق نهر دنيبر.
وبحسب تقدير الخبير العسكري، فإن جوهر المسألة لا يتعلق فقط بعدد الجنود الذين قد تحشدهم روسيا، وإنما بالهدف الذي ستستخدم من أجله هذه القوة، وموقع انتشارها، وقدرتها على تعويض النقص البشري، في مقابل قدرة أوكرانيا على الحفاظ على خطوط دفاعها واستيعاب أي ضغط روسي جديد، في وقت تبقى فيه احتمالات التعبئة نفسها موضع نفي من موسكو وعدم يقين بشأن مدى تحققها فعلياً.

