النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

أوروبا بين مطرقة الهجرة وسندان اليمين المتطرف.. من ينقذ شنغن؟

اوروبا
أمل الصنافيري -

حدودٌ تُغلق جزئيًا، وحساباتٌ انتخابية تتصاعد، وملف الهجرة يتحول من أزمة إنسانية وأمنية إلى معركة على مستقبل الاتحاد الأوروبي نفسه.

هكذا تبدو الصورة داخل القارة العجوز، بعدما انتقل الخلاف بين إيطاليا وإسبانيا من مجرد اختلاف في طريقة التعامل مع المهاجرين إلى إجراءات تمس حرية التنقل داخل فضاء شنغن، أحد أبرز المكاسب التي حققها المشروع الأوروبي على مدار عقود.

المفارقة أن شنغن الذي صُمم لإزالة الحدود الداخلية بين الدول الأوروبية، أصبح اليوم في مواجهة ضغوط متزايدة تعيد الحدود الوطنية إلى صدارة المشهد.

فإيطاليا تبرر تشديد إجراءاتها باعتبارات أمنية، من بينها مواجهة الهجرة غير النظامية ورصد نشاط مهربي البشر وتجارة المخدرات، بينما ترى إسبانيا أن تحويل هذه المبررات إلى قيود ممتدة قد يفتح الباب أمام سابقة تهدد مبدأ حرية الحركة داخل الاتحاد.

لكن خلف الخلاف الأمني تقف معركة سياسية أوسع؛ فالهجرة أصبحت واحدة من أقوى الأوراق التي تستخدمها الأحزاب اليمينية والشعبوية في أوروبا لجذب الناخبين، ومع كل موجة مهاجرين جديدة ترتفع المطالب بإعادة فرض الرقابة على الحدود الوطنية.

وهنا يحذر المحلل السياسي مصطفى الطوسة من أن خطورة الأزمة الحالية لا تكمن في الإجراءات الإيطالية أو الإسبانية بذاتها، وإنما في إمكانية تحولها إلى سابقة أوروبية.

ويؤكد أن الخلاف حول إدارة الهجرة قديم بين البلدين، لكن الجديد هو أن روما ومدريد انتقلتا إلى اتخاذ إجراءات ملموسة يمكن أن تعطل عمليًا منطق فضاء شنغن.

ويطرح الطوسة سؤالًا يبدو بسيطًا لكنه يحمل تداعيات ضخمة: إذا أصبح من المقبول لدولتين داخل شنغن إعادة ضبط حدودهما، فما الذي سيمنع دولًا أخرى من تكرار التجربة غدًا؟

ويضرب المحلل السياسي فرنسا مثالًا مباشرًا، موضحًا أن قضية السيطرة على الحدود الوطنية تمثل مطلبًا أساسيًا لدى التجمع الوطني بزعامة مارين لوبان وجوردان بارديلا.

وفي حال وصل اليمين المتطرف إلى الحكم، فإن وجود سابقة أوروبية كهذه قد يسهل طرح مطالب بإعادة فرض الرقابة على الحدود الفرنسية مع إسبانيا وألمانيا وبلجيكا وبقية الجوار الأوروبي.

وبحسب الطوسة، فإن المسألة لا تتعلق بالسفر بين الدول فقط، لأن فضاء شنغن يمثل أحد أعمدة الاتحاد الأوروبي إلى جانب العملة الموحدة «اليورو».

فحرية انتقال الأشخاص والبضائع مرتبطة بشكل مباشر بالتجارة وحركة العمال والاستثمارات والاقتصاد الأوروبي ككل، وأي تراجع فيها قد يخلق تأثيرًا يتجاوز الحدود السياسية.

ويأتي ذلك في وقت يتعرض فيه البيت الأوروبي لضغوط غير مسبوقة من قوى شعبوية ومتطرفة تحمل الاتحاد مسؤولية الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتستخدم الهجرة باعتبارها عنوانًا لكل المخاوف المرتبطة بالأمن والهوية والوظائف والخدمات.

ويشير الطوسة إلى أن تجربة «بريكست» تظل حاضرة في خلفية المشهد؛ فخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أثبت أن الخلاف حول العلاقة مع المشروع الأوروبي يمكن أن يتحول من خطاب سياسي إلى قرار مصيري.

ومن هنا، فإن أي تراجع مستمر في قواعد شنغن قد يمنح دعاة تفكيك الاتحاد وقودًا سياسيًا جديدًا.

أما الحسابات الداخلية فتزيد المشهد تعقيدًا. فبحسب الطوسة، تتحرك رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تحت ضغط منافسة قوى يمينية أكثر تطرفًا، ما يجعل التشدد في ملف الهجرة وسيلة للحفاظ على قاعدتها الانتخابية وعدم خسارة الناخبين لصالح خصومها.

وفي المقابل، يتبنى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز سياسة أكثر انفتاحًا، وصلت إلى اتخاذ إجراءات لتسوية أوضاع أعداد كبيرة من المهاجرين، بينما تتجه دول أوروبية أخرى إلى تشديد سياساتها، وهو ما يجعل مدريد في مسار مختلف عن الاتجاه المتشدد الذي يفرض نفسه في عدد من العواصم الأوروبية.

ويرى الطوسة أن استمرار هذا التناقض قد يحول الهجرة إلى شرخ دائم داخل الاتحاد، ولذلك لا يمكن أن يبقى التعامل معها رهينًا للحسابات الانتخابية لكل دولة على حدة.

فالاختبار الحقيقي أمام أوروبا، بحسب تحليله، ليس فقط في قدرتها على وقف الهجرة، وإنما في قدرتها على حماية حدودها دون أن تعيد بناء الحدود التي ألغتها بنفسها قبل عقود.