هل يتكرر سيناريو حزب الله مع سلاح الفصائل العراقية؟

قدمت الدكتورة شيماء المرسي، الخبيرة في الشئون الإيرانية، تحليلا مهماً لسيناريو نزع سلاح الفصائل العراقية، موضحة أنه بعد فشل محاولات نزع سلاح حزب الله، شددت الولايات المتحدة على ضمان نزع كامل لسلاح جميع الفصائل المسلحة العراقية، وجاء الموقف الأمريكي بمثابة التزام مشترك أعلن عنه كل من المبعوث الرئاسي، توم براك، ورئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، بعد لقائهما في 16 يونيو/حزيران 2026.
وهذا أعاد طرح قضية نزع سلاح الفصائل الموالية لإيران كأحد أكثر الملفات إثارة للجدل في المشهد الداخلي العراقي والإقليمي معا. فإلى جانب الضغوط الخارجية، لا سيما من الولايات المتحدة، تتابع حكومة الزيدي وبعض القوى السياسية العراقية هذا الملف بجدية أكبر من ذي قبل، من هنا جاء التدخل الإيراني وزيارة رئيس البرلمان الإيراني قاليباف إلى العراق صباح يوم الأربعاء 19 أغسطس/آب 2026، لبحث الملفات الأمنية والإقليمية، بحسب تحليل «شيماء».
أعلنت السلطات في بغداد أن جميع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، والتي تشمل الدبابات والمدفعية والصواريخ الخاصة والطائرات المسيرة التابعة للجماعات المسلحة، سيتم تسليمها إلى لجنة مركزية مؤلفة من ممثلين عن وزارة الدفاع، وقيادة العمليات المشتركة، ومكتب القائد العام للقوات المسلحة، بل وستجري عملية التسليم وفق وثائق رسمية وقانونية، ليتم تخزين هذه التجهيزات في مستودعات ومخازن حكومية خاصة، بغرض إعادة توزيعها لاحقا حسب احتياجات الجيش والقوات الأمنية.
وفي هذا السياق، أعلن الفريق أول ركن قيس المحمداوي، نائب رئيس أركان العمليات المشتركة ورئيس اللجنة العليا لحصر السلاح في الحكومة العراقية، أن الدولة وضعت في خطوتها الأولى، وبالتنسيق التام مع حكومة إقليم كردستان، ملف طرد ونزع سلاح المعارضة الكردية الإيرانية على جدول أعمالها، بالتزامن مع انطلاق عملية تسليم أسلحة الفصائل المسلحة المحلية، وحذر المحمداوي من أن أي جهة تخالف هذه التوجيهات ستواجه إجراءات قانونية وإدارية صارمة.
جاءت تلك الإجراءات بعدما استخدمت واشنطن الفيدرالي الأمريكي للتحكم في إيرادات النفط العراقية (الدولار) كأداة ضغط غير مباشرة، خصوصا أن أي تصعيد أمني أو رفض لنزع سلاح الفصائل الموالية لإيران قد يتبعه تقييد للتعاملات المالية الإقليمية أو فرض عقوبات، وهو ما يهدد الاستثمارات الأجنبية ويفاقم هشاشة الاقتصاد.
والمفارقة، أن عدم الاستقرار الأمني قد يعطل الاستراتيجيات طويلة المدى لمواجهة جفاف الأنهار وانحسار الزراعة، فالعراق عاجز عن بسط سيادته الأحادية، وهذا يصعب عليه التفرغ لمفاوضات مائية صارمة مع دول الجوار (تركيا وإيران)، أو جذب استثمارات لتقنيات الري الحديثة، وفق ما أكدته الدكتورة شيماء المرسي.
وشددت على أن إدخال ملف المعارضة الإيرانية في إقليم كردستان ضمن الخطة نفسها هو محاولة لمسك العصا من المنتصف، لتحجيم الضغوط الإقليمية، وتحديدا إيران، وفي الوقت نفسه الاستجابة للمطالب الأمريكية، حتى تظهر الحكومة كطرف يحاول تحييد العراق عن ساحات الصراع الخارجي من جهة، وإرسال رسالة تطمين للمجتمع الدولي والشركات الأجنبية بأن العراق يتجه نحو دولة المؤسسات، وهو شرط أساسي لتفادي خطط الانكماش الاستثماري من جهة أخرى.
أعلنت عدة فصائل حتى الآن استعدادها لتسليم أسلحتها، ومنها سرايا السلام التابعة للتيار الصدري، وعصائب أهل الحق، وكتائب الإمام علي، إذ أكد مقتدى الصدر، في تفسيره لانضمام سرايا السلام إلى الدولة، أن الأساس هو أن تكون الدولة الجهة الوحيدة التي تمتلك السلاح، وكان قد دعا سابقا إلى حل الحشد الشعبي ودمجه في المؤسسات العسكرية الرسمية كالجيش العراقي.
في حين ذكرت عصائب أهل الحق، في بيان لها، أنها استجابة لفتوى المرجعية الدينية العليا، وقررت قيادة الحركة البدء في تنفيذ هذا المسار عبر تشكيل لجنة مركزية.
ولعل قيادات تلك الفصائل خلصت إلى أن النفوذ السياسي والمالي أكثر دفاعية واستدامة من التشكيلات العسكرية؛ من أجل هذا، فضلت هذه الجهات تجنب الصراعات العسكرية المباشرة التي قد تؤدي إلى تدمير البنى التحتية وفقدان الدعم السياسي، والتركيز بدلا من ذلك على تحقيق أهدافها عبر الأحزاب السياسية والمؤسسات الحكومية، دون أن يعني ذلك بالضرورة نهاية الدور العسكري لهذه الجماعات، فقد تستمر أذرعها العسكرية في العمل ضمن القالب القانوني والمؤسسي لهيئة الحشد الشعبي، وفق الباحثة في الشئون الإيرانية.
في المقابل، أعلنت فصائل عراقية أخرى، مثل كتائب حزب الله العراق، وكتائب سيد الشهداء، وحركة النجباء، وسرايا أولياء الدم، وأصحاب الكهف، وكتائب كربلاء، رفضها القاطع لتسليم أسلحتها، وذلك نتيجة شكوكها حيال ضغوط واشنطن والتهديدات الإسرائيلية، فضلا عن وجود القوات الأمريكية التي تسعى، وفقا لمعارضي النزع، إلى فرض هيمنتها على القرارات الاستراتيجية للعراق.
وتتخوف هذه الأطراف من أن تتكرر سيناريوهات الهيمنة الأجنبية أو تضعف قدرة العراق في ظل التوترات الإقليمية المستمرة، ومع ذلك، أعلنت الحكومة العراقية احتمالية المواجهة مع الفصائل المسلحة في حال رفضها تسليم السلاح بحلول 30 سبتمبر/أيلول القادم، بالتزامن مع انسحاب القوات الأمريكية واستمرار التنسيق مع إيران بشأن مستقبل الفصائل، وتشير تقارير إلى خطة حكومية لتطويق مواقع فصائل مسلحة بعد انتهاء المهلة، بينما تتحرك بغداد إقليميا لتعزيز التنسيق الأمني مع السعودية، وفق «شيماء».

