النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

دراسة إسرائيلية: أزمات الجيش تتراكم والثقة تتآكل والقرار العسكري تحت ضغط السياسة

رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير من جنوب قطاع غزة
عبدالرحمن كمال -

أظهرت دراسة صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يواجه مجموعة متراكمة من الأزمات الداخلية والاستراتيجية، بعد نحو عام ونصف من تولي إيال زامير رئاسة الأركان، مشيرة إلى أن المؤسسة العسكرية لا تزال تحظى بمستوى نسبي من الثقة، لكنها تواجه تحديات متزايدة في القوى البشرية والانضباط والتجنيد والهوية والتسييس، إلى جانب غياب نتائج استراتيجية واضحة للحرب متعددة الجبهات.

تراجع الثقة بالقيادة

وأشارت الدراسة إلى أن مستوى الثقة برئيس الأركان إيال زامير شهد تراجعاً ملحوظاً خلال الأشهر الأخيرة، بعدما ارتفع إلى 81% خلال المواجهة مع إيران، قبل أن ينخفض إلى نحو 69% في مايو 2026، رغم بقاء زامير أكثر ثقة لدى الجمهور الإسرائيلي من معظم القيادات السياسية.

وتعكس هذه الأرقام، وفق الدراسة، استمرار المكانة النسبية للمؤسسة العسكرية مقارنة بالمؤسسات السياسية، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن تآكل في الثقة بقيادة الجيش، في ظل استمرار الحرب وتعدد الجبهات وتزايد الأسئلة حول نتائجها وقدرة المؤسسة العسكرية على تحويل الإنجازات الميدانية إلى مكاسب استراتيجية.

وترى الدراسة أن المشكلة لا تتعلق بمستوى الثقة في شخص رئيس الأركان وحده، وإنما تأتي ضمن سياق أوسع تواجه فيه المؤسسة العسكرية ضغوطاً متزايدة تتعلق بأدائها، وبطبيعة العلاقة بينها وبين المستوى السياسي، وبقدرتها على الحفاظ على تماسكها الداخلي خلال حرب طويلة.

أزمة القوى البشرية

ووضعت الدراسة أزمة القوى البشرية في صدارة التحديات التي تواجه الجيش الإسرائيلي، مشيرة إلى أن قوات الاحتياط تحولت عملياً إلى قوة شبه دائمة، في وقت يتزامن فيه ذلك مع ارتفاع معدلات التقاعد المبكر وتراجع جاذبية الخدمة الدائمة.

وحذرت من أن استمرار هذا الوضع يهدد ما وصفته بـ«العمود الفقري القيادي» للجيش، إذ يؤدي الاستنزاف المستمر لقوات الاحتياط إلى زيادة الأعباء الواقعة على قطاعات واسعة من الجنود والضباط، بينما تضعف قدرة المؤسسة على الحفاظ على مسار مستقر لتجديد كوادرها القيادية.

وترتبط هذه الأزمة أيضاً بملف تجنيد اليهود الحريديين، حيث ترى الدراسة أن استمرار عدم المساواة في تحمل العبء العسكري يمكن أن يؤدي إلى تفاقم تذمر جنود الاحتياط، ويؤثر في استعدادهم لمواصلة الخدمة في ظل حرب ممتدة ومتعددة الجبهات.

صراع على هوية الجيش

وتشير الدراسة إلى وجود مؤشرات متزايدة على تآكل الانضباط داخل المؤسسة العسكرية، في ظل الخلافات المتعلقة بالهوية الدينية والاجتماعية للجيش، بما في ذلك قضايا دمج النساء والرموز الأيديولوجية داخل المؤسسة.

وترى أن هذه الخلافات لا تمثل مجرد نقاشات داخلية حول إجراءات عسكرية أو تنظيمية، وإنما تعكس صراعاً أوسع على هوية الجيش نفسه، وحدود تأثير التيارات الدينية والأيديولوجية في المؤسسة العسكرية، وطبيعة المعايير التي ينبغي أن تحكم عملها.

وفي هذا السياق، ارتفع تأييد السماح للنساء بالتنافس على جميع الوحدات القتالية وفق معايير مهنية من 70% عام 2023 إلى 77% في فبراير 2026، وهو ما يعكس استمرار التأييد الشعبي الواسع لمبدأ إتاحة الخدمة القتالية للنساء وفق معايير مهنية.

السياسة داخل الجيش

وتوقفت الدراسة عند تنامي التوتر بين المؤسسة العسكرية والمستوى السياسي، خصوصاً مع تدخل المستوى السياسي في قضايا التعيينات والانضباط، محذرة من أن استمرار هذا التدخل يثير مخاوف داخل الجيش بشأن تسييس المؤسسة وإضعاف التسلسل القيادي.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل حرب طويلة، إذ إن الحفاظ على استقلالية القرار المهني والتسلسل القيادي يمثلان، وفق الدراسة، أحد الاختبارات الأساسية لقدرة الجيش على العمل بكفاءة في المرحلة المقبلة.

ولا تطرح الدراسة سيناريو انهيار المؤسسة العسكرية، لكنها تحذر من أن اجتماع أزمة القوى البشرية مع تراجع الثقة وتآكل الانضباط والصراع على هوية الجيش والتدخل السياسي يمكن أن يحول هذه المشكلات المتفرقة إلى تحدٍ استراتيجي أكثر عمقاً.

إنجازات بلا حسم

وعلى المستوى الاستراتيجي، تشير الدراسة إلى مفارقة بين الاعتراف بالقدرات العسكرية والإنجازات التكتيكية للجيش وبين غياب شعور واضح لدى الجمهور الإسرائيلي بتحقيق نتائج استراتيجية حاسمة في الحرب متعددة الجبهات.

وفي قطاع غزة، لم تتجاوز نسبة من قالوا إن إسرائيل انتصرت بالفعل 11%، بينما توقع 34% أن تحقق إسرائيل الانتصار، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين الأداء العسكري الميداني وبين تصور الجمهور للنتيجة النهائية للحرب.

أما في لبنان، فقد رأى 48.5% أن إسرائيل انتصرت أو ستنتصر على حزب الله، مقابل 43% رأوا أنها خسرت أو لن تنتصر، بما يعكس انقساماً ملحوظاً في تقييم نتائج المواجهة.

وفي ما يتعلق بإيران، أظهرت النتائج انقساماً شبه متساوٍ؛ إذ رأى 45.5% أن إسرائيل حققت الانتصار أو ستتمكن من تحقيقه، بينما اتجهت نسبة مماثلة تقريباً إلى الاعتقاد بأن إسرائيل خسرت أو ستخسر، بالتزامن مع تراجع مستويات الرضا عن النتائج العسكرية والسياسية.

قلق من الضفة

وفي الضفة الغربية، أظهرت الدراسة مستويات مرتفعة من القلق لدى أكثر من 70% من المشاركين في فترات مختلفة، بينما شكك 56% في مدى استعداد الجيش لحماية المستوطنات.

وتعكس هذه النتائج، وفق ما أوردته الدراسة، استمرار المخاوف داخل المجتمع الإسرائيلي بشأن قدرة الجيش على التعامل مع التحديات الأمنية في الضفة، خصوصاً في ظل تعدد ساحات المواجهة وتوزع الموارد البشرية والعسكرية على أكثر من جبهة.

وتتصل هذه المخاوف مباشرة بأزمة القوى البشرية، إذ يصبح الجيش مطالباً بالحفاظ على جاهزيته في ساحات متعددة في الوقت نفسه، بينما تواجه قدرته البشرية ضغوطاً متزايدة نتيجة طول فترة الاستدعاء والاستنزاف المستمر لقوات الاحتياط.

واشنطن تحدد المسار

وتبرز الولايات المتحدة كذلك باعتبارها عاملاً متزايد الأهمية في حسابات الجمهور الإسرائيلي، إذ تشير الدراسة إلى تنامي المخاوف من أن قدرة إسرائيل على تحديد مسار الحرب وموعد وقفها أصبحت مرتبطة بدرجة أكبر بالموقف الأمريكي.

وتكشف هذه النقطة عن بعد استراتيجي يتجاوز الأداء العسكري المباشر، حيث يصبح القرار الإسرائيلي بشأن استمرار الحرب أو إنهائها مرتبطاً بدرجة متزايدة بعلاقة تل أبيب بواشنطن، وبقدرة الحكومة الإسرائيلية على إدارة هذا الاعتماد في ظل الضغوط العسكرية والسياسية.

وبذلك، لا تقتصر أزمة الجيش على سؤال الانتصار أو الخسارة في الجبهات المختلفة، وإنما تمتد إلى سؤال أوسع يتعلق بمدى قدرة المؤسسة العسكرية والدولة الإسرائيلية على الحفاظ على هامش مستقل لصناعة القرار في حرب تتداخل فيها الحسابات الداخلية مع الدعم والضغوط الأمريكية.

أزمات متراكمة

وتخلص الدراسة إلى أن الجيش الإسرائيلي لا يواجه انهياراً مؤسسياً، وإنما يواجه تراكم مجموعة من الأزمات التي يمكن أن تتحول، إذا استمرت، إلى تحدٍ استراتيجي مباشر.

وتتمثل أبرز هذه الأزمات في أزمة القوى البشرية، وتآكل الثقة، وضعف الانضباط، والصراع على هوية الجيش، والتدخل السياسي، وغياب الحسم الاستراتيجي، وهي عوامل لا تعمل بصورة منفصلة، وإنما يمكن أن يعزز بعضها بعضاً في ظل استمرار الحرب وتعدد الجبهات.

وترى الدراسة أن الاختبار الأكبر للجيش في المرحلة المقبلة سيكون قدرته على الحفاظ على مهنيته واستقلالية قراره وتسلسله القيادي، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية والاجتماعية، وتتواصل الحرب على أكثر من جبهة، وتتسع الأسئلة داخل المجتمع الإسرائيلي حول جدوى استمرارها ونتائجها.

وبذلك، ترسم الدراسة صورة لمؤسسة عسكرية لا تزال تحتفظ بقدرات كبيرة ومستوى من الثقة يفوق معظم المؤسسات السياسية، لكنها تدخل مرحلة أكثر تعقيداً، يصبح فيها الحفاظ على قوتها البشرية وتماسكها الداخلي واستقلالية قرارها العسكري، وتحويل الإنجازات التكتيكية إلى نتائج استراتيجية واضحة، التحدي الحقيقي الذي سيحدد قدرتها على مواصلة إدارة حرب طويلة ومتعددة الجبهات.