النهار
جريدة النهار المصرية

ثقافة

محمد هلوان يكتب| العقيدة في الأيديولوجيا الإخوانية.. حسن البنا نموذجًا

حسن البنا
-

كثيرون كتبوا عن تاريخ جماعة الإخوان المسلمين، وعن نشأتها وتحولاتها وصراعاتها وشخصياتها، لكن قليلين توقفوا بالقدر الكافي أمام الأيديولوجيا الإخوانية نفسها، باعتبارها العامل المؤسس والمركزي في تشكيل الشخصية الإخوانية، وفي تحديد رؤيتها للدين والمجتمع والسياسة والإنسان.

ومن هنا تأتي أهمية البحث في الأيديولوجيا الإخوانية، أو بصورة أدق: أيديولوجيا حسن البنا في تأسيسه الأصولي للجماعة؛ إذ لا يمكن فهم المشروع الذي أسسه البنا بمعزل عن الإطار العقائدي الذي حاول أن يمنحه له.

وفي هذه القراءة، سأحاول قدر الإمكان تحليل خطاب حسن البنا باعتباره خطابًا تأسيسيًا لحركة من حركات الإسلام السياسي، وهي حركة كان لا بد لها من إطار عقائدي تنبثق عنه، وتستمد منه تصوراتها ومواقفها.

وللأمانة العلمية، كان لا بد من الرجوع إلى كتابات البنا نفسه، وبالأخص مقالاته المعنونة بـ«في العقيدة الإسلامية»، والتي كتبت بيده ونشرت باسمه في مجلة «الشهاب». فالهدف هنا ليس قراءة البنا من خلال من جمعوا مقالاته أو تناولوا أفكاره لاحقًا، وإنما محاولة الوقوف مباشرة أمام النص المركزي، وقراءة ما يقوله البنا بنفسه، بعيدًا عن مقدمات أو تأويلات قد تفرض نفسها على النص قبل قراءته.

وسأحاول كذلك قدر الإمكان الابتعاد عن الأحكام المسبقة، وتأجيلها إلى نهاية المقال، حتى تكون النتيجة وليدة القراءة والتحليل، لا نقطة انطلاق مفروضة عليهما.

رسائل الإمام الشهيد

بين العقيدة وعلم الكلام

في مفارقة واضحة، يقول حسن البنا إنه سيحاول، أثناء شرحه للعقيدة، الابتعاد قدر الإمكان عن مبادئ الفلاسفة، باعتبارها ترفًا فكريًا، وعن مناهج ومصطلحات المتكلمين، باعتبارها لغوًا فارغًا، ومصطلحات معقدة لا تناسب العامة.

وهنا نواجه موقفًا بالغ الدلالة من أحد أهم العلوم المركزية في التراث الإسلامي، وهو علم أصول الدين، باختلاف التسميات التي أطلقت عليه عبر التاريخ، سواء علم العقيدة أو علم الكلام أو الفقه الأكبر.

فالبنا لا يكتفي بتبسيط المصطلحات، وهو أمر يمكن تفهمه إذا كان يخاطب جمهورًا عامًا، وإنما يبدو أنه يهمش العلم نفسه، ومناهجه، وتراكمه التاريخي، وكأن الاشتغال العقلي على مسائل العقيدة لا يتجاوز كونه ترفًا أو جدلًا غير منتج.

ثم يقرر أنه سيشرح العقيدة من خلال القرآن والسنة والسيرة، ويقسم السيرة إلى قسمين: «سيرة الصدر الأول»، دون تحديد دقيق لماهية الأشخاص الذين يقصدهم، والذين يقدمهم باعتبارهم النموذج الأكمل للدين، باعتبار أن القرآن نزل فيهم.

لكن أي أشخاص يقصد تحديدًا؟ وأي فترة تاريخية يتحدث عنها؟ وأين تنتهي هذه المرحلة وأين تبدأ؟ لا يقدم البنا تحديدًا واضحًا لذلك.

أما القسم الثاني، فيسميه «فريق العصر الأخير»، وهنا أيضًا نجد أنفسنا أمام مصطلح واسع وغير محدد تاريخيًا أو فكريًا. ما المقصود بالعصر الأخير؟ ومن هم رجاله؟ وما المدارس التي ينتمي إليها هؤلاء؟ وما الأفكار التي يعترض عليها البنا تحديدًا؟

يقول إن العقيدة في هذا العصر اختلطت بمصطلحات فلسفية معقدة، وكلمات جامدة ميتة تتعب العقل وتضيق الروح، وهو حكم عام يحمل قدرًا واضحًا من الانتقاص من مكانة علوم الدين وتطورها التاريخي.

وحتى لو افترضنا أن البنا يقصد مرحلة تاريخية اتسمت بالانشقاقات والخلافات الكلامية، فإن الأمر كان يحتاج إلى توضيح: ما طبيعة تلك الخلافات؟ وما أسبابها؟ وما موقفه منها؟ وما وجه اعتراضه على مناهجها؟

أما إصدار حكم شامل دون تحديد أو إحالة أو استشهاد، فإنه يتحول من النقد إلى مصادرة على المطلوب، وهي طريقة يصعب قبولها من شخص يقدم نفسه باعتباره متحدثًا في مسائل العقيدة والدين.

 الإيمان بين القلب والعقل

يرى البنا أن الإيمان مصدره القلب، وأن العقل ناقص، ولذلك لا ينبغي له أن ينشغل بالفروق بين الإيمان والتصديق وغيرها من القضايا التي يراها جدلًا غير منتج.

وهنا يظهر بوضوح التوتر بين العقل باعتباره أداة للمعرفة، وبين العقيدة باعتبارها مجالًا للتسليم.

فإذا كان العقل عاجزًا عن الخوض في مسائل الإيمان، وإذا كان التفريق بين المفاهيم ذات الصلة بالعقيدة مجرد جدل لا طائل منه، فما حدود العقل إذن؟ وما وظيفته في بناء الاعتقاد؟ وكيف يمكن تأسيس خطاب عقائدي من دون الاستعانة بأدوات النظر العقلي التي شكلت تاريخ علم الكلام وأصول الدين؟

وعند الحديث عن الله وصفاته، يبدو أن البنا يقترب أصوليًا من بعض التصورات الأشعرية في نفي التجسيم، وإثبات الكمال والأبدية والوحدانية.

لكن حتى في مسألة الوحدانية، يبرز إشكال في التعبير، حين يتحدث عن الله باعتباره «واحدًا»، دون التوقف عند الفارق الذي عرفه علم الكلام بين وصف الله بالوحدانية وبين التعامل مع الواحد باعتباره عددًا.

وهذه ليست مسألة لغوية هامشية، وإنما واحدة من القضايا التي تناولها علماء الأصول والكلام بالبحث والتفصيل، لأن الحديث عن وحدانية الله ليس مجرد إثبات رقم «واحد» في مقابل «اثنين»، وإنما إثبات تفرده ونفي الشريك والمماثل عنه.

«لا تتفكروا في ذات الله».. أين ينتهي التفكير؟

يرفض البنا التفكير في ذات الله وصفاته، مستندًا إلى الحديث: «لا تتفكروا في ذات الله فتهلكوا».

لكن الإشكال هنا لا يتعلق فقط بالنص الذي استند إليه، وإنما بطريقة التعامل مع مسألة التفكير في العقيدة باعتبارها علمًا قائمًا بذاته، تطور عبر قرون طويلة، وناقش قضايا وجود الله وصفاته وأفعاله وعلاقة العقل بالنقل.

فحتى مع اختلاف العلماء حول حدود هذا العلم، وحول كونه مناسبًا للعامة أو مقصورًا على المتخصصين، فإن ذلك لا يلغي وجوده باعتباره علمًا له مناهجه وأدواته.

أما رفض هذا المجال من بابه، فيبدو وكأنه انتصار لمنطق التسليم على حساب الملكة العقلية التي منحها الله للإنسان.

ومع ذلك، يقع البنا في تناقض واضح؛ فهو يضع حدودًا للتفكير في ذات الله وصفاته، لكنه في الوقت نفسه يطالب الإنسان بالنظر في الطبيعة والكون لإدراك عظمة الخالق وكماله.

أي أن العقل يصبح مقبولًا عندما ينظر إلى آثار الخالق في الكون، لكنه يصبح مرفوضًا عندما يحاول البحث في القضايا التي تتعلق بالذات والصفات.

وهنا يبرز سؤال مهم: إذا كان العقل صالحًا لإدراك آثار الخالق، فلماذا يصبح غير صالح للنظر في القضايا التي تتصل بمفهوم الإله نفسه؟

التفسير الانتقائي للنص

يقدم البنا كذلك تفسيرات لآيات قرآنية دون أن يبدو أنه يلتزم بمنهج واضح في التفسير، فلا يعرض أسباب النزول، ولا يناقش أوجه القياس، ولا يميز بوضوح بين الحقيقة والمجاز، وإنما يقدم تفسيرًا يبدو في بعض المواضع انتقائيًا، بحيث تخدم الآية وجهة النظر التي يريد الوصول إليها.

والمشكلة هنا ليست في أن يكون للبنا رأي في تفسير آية، وإنما في تقديم هذا الرأي باعتباره تفسيرًا مكتفيًا بذاته، دون بيان للسياق القرآني أو اللغوي أو التفسيري الذي يسمح للقارئ بفهم كيفية الوصول إلى هذه النتيجة.

فحين يتناول شخص مسائل العقيدة، يصبح تحديد المنهج الذي اعتمد عليه أمرًا أساسيًا، لا تفصيلًا زائدًا.

الفطرة.. والإيمان الطبيعي

يرى البنا أن العقيدة هي الفطرة، أي أن الإنسان يؤمن بالله بطبيعته الخالصة، ومن لا يؤمن يمكنه النظر إلى آيات الله في الكون، باعتبارها أدلة يمكن أن تقود الإنسان إلى الإيمان.ويصف غير المؤمنين في هذا السياق بـ«الجاحدين بآيات الله».

لكن هذا التصور يطرح إشكالًا آخر؛ فإذا كان الإيمان فطريًا، فكيف نفسر الاختلافات الهائلة بين البشر في تصورهم للإله والعقيدة والعبادة؟ وإذا كان النظر في الكون كافيًا للوصول إلى الإيمان، فهل يمكن اعتبار اختلاف النتائج بين البشر ناتجًا فقط عن العناد والجحود؟

ثم إن البنا يستخدم إلى جانب ذلك ألفاظًا ذات طابع صوفي، مثل «الإشراق» و«الوجدان الإنساني»، دون أن يحدد بدقة المقصود منها.

هل يقصد بالإشراق مثلًا المعنى الفلسفي الذي ارتبط بمدرسة السهروردي؟ أم أنه يستخدم المصطلح بمعنى وجداني عام؟ لا يوضح البنا ذلك، ويستمر في البناء على المفهوم وكأنه بديهي لا يحتاج إلى تعريف.

 ثلاث عشرة صفة أم عشرون؟

ومن اللافت كذلك حديث البنا عن صفات الله، إذ يحددها في موضع بثلاث عشرة صفة، ثم يقر في الفقرة نفسها بأنها عشرون، دون أن يعرض الصفات جميعها بصورة واضحة.

وهنا تظهر مرة أخرى مشكلة المنهج؛ فحين يكون الحديث عن العقيدة، لا تكفي الإشارة العامة، لأن الفارق بين ثلاث عشرة صفة وعشرين صفة ليس مجرد خطأ عابر في العدد، بل يرتبط بتقاليد علمية ومناهج كلامية محددة، وباختلافات تاريخية معروفة حول تصنيف الصفات وتقسيمها.

الفلاسفة والعقل.. محاولة بناء نسق متناقض

يحاول البنا، إلى حد ما، بناء نسق منطقي لإثبات بعض قضايا العقيدة، لكنه لا يوفق دائمًا في ذلك.

فهو يستعين بأسماء من تاريخ الفكر والفلسفة والعلم، مثل ديكارت وكارل ماركس ونيوتن وهربرت سبنسر وغيرهم، في محاولة لبناء نسق عقائدي يقوم على العقل، ثم يستخدم هذا النسق نفسه لإثبات عدم جدوى العقل في الإلهيات.

وهنا تظهر المفارقة بوضوح: الاستعانة بالعقل والفلسفة لإثبات أن العقل والفلسفة لا يصلحان للخوض في الإلهيات.

بل يتوسع البنا في حديثه عن بعض المناهج السياسية والفلسفية التي يعتبرها محاربة واضحة للدين، مستندًا إلى مقولة الدين باعتباره «أفيون الشعوب» في إشارة إلى كارل ماركس، ويرى أن هذه المناهج تتأسس على هدم الدين أيًا كان.

لكن مرة أخرى، فإن التعميم على الفكر السياسي والفلسفي بهذه الصورة يحتاج إلى تفصيل؛ لأن القول إن منهجًا فكريًا ما يحارب «الدين» بوصفه مفهومًا مطلقًا ليس هو نفسه إثبات أن هذا المنهج يعادي كل دين، أو أن جميع تطبيقاته التاريخية تنطلق من موقف واحد تجاه العقيدة.

القضاء والقدر.. إلغاء المفهومين باسم الحرية؟

وعند الوصول إلى مسألة القضاء والقدر، نجد تفسيرًا مختلفًا ومثيرًا للإشكال.

فالبنا يجمع لفظي «القضاء والقدر» في عبارة واحدة، وكأنهما مفهوم واحد غير منفصل، ولا يتناول كلًا منهما على حدة، ولا يقدم معالجة تفصيلية للخلافات التي نشأت حولهما في التراث الإسلامي.

ثم يربط القضية بفكرة التكاسل والتواكل، وكأن الحديث عن القضاء والقدر إنما نشأ لتبرير عدم العمل.

ومن هنا يبدو أن البنا ينتهي إلى إطلاق مفهوم الحرية الإنسانية، ونفي الجبرية بصورة شبه مطلقة، من خلال تجاوز التفصيلات العقدية المتعلقة بالقضاء والقدر.

لكن السؤال هنا: هل يمكن اختزال واحد من أكثر مباحث العقيدة تعقيدًا في ثنائية «العمل مقابل التواكل»؟

إن مسألة القضاء والقدر لم تكن مجرد دعوة إلى الكسل أو ذريعة لعدم العمل، وإنما كانت وما زالت واحدة من القضايا الكبرى التي اختلفت حولها المدارس الكلامية، وتداخلت فيها مسائل الإرادة والعلم الإلهي والقدرة الإنسانية والفعل والاختيار.

وتجاوز كل ذلك بهذا الاختزال يثير سؤالًا حول مدى إحاطة البنا أصلًا بالمباحث الأصولية التي يتحدث عنها.

«أغلب البشر يؤمنون بالله».. هل تكفي الأغلبية لإثبات الحقيقة؟

ومن أغرب القياسات التي يقدمها البنا قوله إن غالبية البشر يؤمنون بالله، رغم اختلاف أديانهم وطقوسهم وعباداتهم، لكنهم يتفقون في النهاية على وجود إله، ومن ثم فإن الله موجود.

وهنا نحن أمام استدلال إشكالي؛ لأن اتفاق مجموعة من البشر على الاعتقاد في فكرة ما لا يثبت بذاته صحة هذه الفكرة.

والأمر لا يتوقف عند المنطق، وإنما حتى داخل الخطاب القرآني نفسه لا توجد قاعدة تقول إن كثرة المؤمنين بفكرة تجعلها صحيحة؛ بل يرد في القرآن: «ولكن أكثر الناس لا يؤمنون» في أكثر من موضع.

وبالتالي فإن الاستدلال بالأغلبية على وجود الحقيقة لا يصمد باعتباره برهانًا عقليًا مستقلًا.

القرآن وإثبات الألوهية

يرى البنا أن القرآن، وليس الإسلام أو الرسول، جاء لإثبات عقيدة الألوهية، ومحاربة أوهام الشعوب وأخطاء الأمم السابقة، مثل الشرك والتعدد والتبني وتأليه البشر والحيوان وغير ذلك.

ثم يذهب إلى أن الحب والتعظيم لأي من هذه الأشياء قد يتطور بمرور الزمن إلى درجة تؤدي إلى الوقوع في الخطأ، ولذلك ينبغي الحذر من تكرار ما وقع فيه السابقون.

وهنا يمكن أن ينشأ تأويل بالغ الخطورة إذا أخذنا كلامه على إطلاقه: هل يعني ذلك أن تعظيم التاريخ المادي للحضارات القديمة، أو الاحتفاء بتراثها ورموزها، يمكن أن يتحول إلى نوع من الشرك أو إعادة إنتاج للوثنية؟

فإذا كانت الرموز المادية للحضارات السابقة تحمل في الأصل دلالات دينية أو وثنية، فهل يصبح الاحتفاء بها تاريخيًا وثقافيًا موضع شبهة عقدية؟

البنا لا يوضح ذلك بصورة كافية، لكنه يستخدم قصتي نوح وإبراهيم باعتبارهما نموذجين لهذا التحول من التعظيم إلى العبادة.

 موسى وفرعون.. وإشكالية «الإسرائيليين»

وعندما يصل البنا إلى قوم موسى وتأليه فرعون، يأخذ الخطاب سياقًا أكثر إثارة للتساؤل.فهو يستخدم لفظ «الإسرائيليين» في الحديث عن بني إسرائيل.

وهنا تبرز مشكلة في المصطلح؛ فـ«بنو إسرائيل» تعبير ديني وتاريخي يشير إلى أبناء يعقوب عليه السلام وذريته، بينما «الإسرائيليون» في الاستخدام السياسي الحديث يشيرون إلى مواطني دولة (الإحتلال) إسرائيل المعاصرة. وبالتالي فإن الخلط بين المصطلحين، خصوصًا في خطاب ديني تأسيسي، ليس أمرًا بسيطًا، لأن الألفاظ تحمل دلالاتها التاريخية والسياسية.

ومن الصعب تجاهل هذه الإشكالية عند قراءة نص يصدر عن رجل درس في كلية دار العلوم، وكان يفترض أن يكون أكثر دقة في استخدام المصطلحات، خصوصًا حين تتصل بتاريخ جماعة دينية وبمسألة شديدة الحساسية سياسيًا.

الوثنية المصرية.. من أين جاء هذا الادعاء؟

الأكثر إثارة أن البنا يذهب إلى القول إن الوثنية المصرية أصابت اليهودية، وأن اليهود أخذوا عن المصريين أشكالًا مختلفة من الوثنية.

وهنا تظهر مشكلة أكبر: ما مصدر هذا الادعاء؟ وما الأدلة التاريخية أو الأثرية التي يستند إليها؟

لا يقدم البنا في النص الذي نقرأه توضيحًا كافيًا، ولا يحيل إلى مصدر تاريخي أو أثري يثبت هذا التصور.

وإذا كان الهدف هو بناء عقيدة، فإقحام التاريخ والآثار في هذا البناء دون أدلة أو إحالات يفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول المنهج الذي اتبعه.

ثم يذهب البنا إلى أن موسى نجح في تحرير بني إسرائيل أكثر مما نجح في جعلهم مؤمنين بالله، مستشهدًا بقصة فتنة السامري.

وهو طرح يمكن مناقشته دينيًا وتاريخيًا، لكنه يحتاج إلى تفصيل أكبر من مجرد الإشارة إلى القصة باعتبارها دليلًا على النتيجة.

عقيدة أم خطاب أيديولوجي؟

إذا نظرنا إلى مقالات البنا باعتبارها محاولة لتأصيل عقيدة، فإننا أمام نص يحمل عددًا كبيرًا من الإشكالات المنهجية.

فالنص يمزج بين علم الكلام والتفسير والتصوف والفلسفة والتاريخ والآثار والسياسة، دون أن يحدد دائمًا الحدود الفاصلة بين هذه العلوم، أو يشرح المصطلحات التي يستعيرها منها. وهذا الدمج ليس مشكلة في ذاته؛ فالفكر يمكن أن يتداخل مع علوم متعددة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التداخل إلى استبدال، وعندما تستخدم نتائج مجال علمي لإثبات قضية في مجال آخر دون إقامة الجسر المنهجي بينهما.

فكيف يمكن بناء عقيدة من دون تحديد واضح لمصادرها؟ وكيف يمكن الحديث عن علم الكلام باعتباره لغوًا فارغًا، ثم استخدام بعض أدواته في مواضع أخرى؟ وكيف يمكن رفض التفكير العقلي في ذات الله وصفاته، ثم اللجوء إلى الفلسفة والعقل لإثبات بعض القضايا؟ وكيف يمكن تقديم تفسيرات للقرآن دون بيان المنهج التفسيري الذي تقوم عليه؟ وكيف يمكن إدخال التاريخ والآثار في صلب خطاب ديني دون تقديم الأدلة التي تثبت تلك الاستنتاجات؟

كل هذه الأسئلة تجعل من الضروري إعادة قراءة البنا بعيدًا عن الصورة التقليدية التي تقدمه فقط باعتباره «داعية» أو «مصلحًا» أو «مؤسس جماعة»، والاقتراب منه بوصفه صاحب مشروع أيديولوجي يحاول إعادة صياغة الدين في إطار تنظيمي وحركي.

السؤال الذي لا يمكن تجاهله

وهنا نصل إلى السؤال الأهم: لماذا لم يتبحر حسن البنا في علوم الدين على أيدي متخصصين، أو لماذا لم يستعن بأهل الاختصاص في ضبط الفروقات بين علوم الدين ومناهجها؟ ولماذا لم يوضح المفاهيم التي يستخدمها وكأنها بديهيات يفهمها العامة؟ ولماذا يدمج علم الآثار بالتاريخ بالدين دون إقامة دليل واضح على العلاقة بين هذه المجالات؟ وإذا كان البنا يريد بالفعل تأسيس خطاب عقائدي لجماعة ستصبح لاحقًا حركة سياسية واجتماعية وتنظيمية واسعة، فلماذا لم يكن هذا الخطاب أكثر دقة وتماسكًا من الناحية العلمية؟

يمكن بطبيعة الحال أن يقال إن البنا لم يكن عالم كلام متخصصًا، وإن مشروعه لم يكن مشروعًا أكاديميًا، وإنما مشروع دعوي وحركي يستهدف العامة.

لكن هذه الإجابة نفسها تفتح سؤالًا آخر: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا تقديم هذا الخطاب باعتباره تأسيسًا عقائديًا؟ ولماذا بناء جماعة ذات مشروع ديني وسياسي على نصوص لا تقدم تصورًا منهجيًا متماسكًا للعقيدة؟

في النهاية، يمكننا أن نختلف حول تقييم حسن البنا السياسي والدعوي، ويمكن أن نختلف حول مقاصده ونواياه، لأن النوايا لا يمكن رؤيتها ولا إثباتها بمجرد القراءة. لكن ما يمكن قراءته وتحليله هو النص.

والنص، في هذه الحالة، يكشف عن محاولة لتكوين خطاب عقائدي جديد، لكنه خطاب شديد الانتقائية، يخلط بين علوم متعددة، ويضع العقل في موضع متناقض بين القبول والرفض، ويقدم أحكامًا تاريخية وتفسيرية دون تأسيس كافٍ، ويختزل مسائل عقدية شديدة التعقيد في تصورات مباشرة تناسب مشروعًا دعويًا جماهيريًا.

وإذا أردنا أن نكون أكثر صراحة، فإن مقالات البنا، لو اعتبرناها بالفعل محاولة لتأصيل عقيدة، تبدو أقرب إلى تأصيل منقوص ومضطرب، مليء بالمزج بين علوم الدين والمناهج الفكرية، وبالمغالطات والانتقائية، وهو أمر يصعب أن يُنسب إلى متخصص متمكن في علوم العقيدة.

وهنا تصبح المفارقة الكبرى: إذا كان حسن البنا، بوصفه مؤسس الجماعة وصاحب خطابها الأول، يقدم هذا المستوى من المعالجة في مسائل العقيدة، فماذا عن الأجيال التي تلقت العقيدة منه باعتبارها أساسًا فكريًا وتنظيميًا؟

ربما لا يكون السؤال إذن: ماذا قال حسن البنا عن العقيدة؟

بل السؤال الأكثر إزعاجًا هو: أي عقيدة أراد حسن البنا أن يصنعها لجماعته؟

فالمسألة، في النهاية، لا تتعلق بمجرد أخطاء في المصطلحات أو اختلافات في التفسير، وإنما بمحاولة بناء إطار ديني وفكري لحركة سياسية واجتماعية، وهو ما يجعل فحص هذا الإطار، ومصادره، ومنهجه، وتناقضاته، أمرًا لا يمكن تجاوزه إذا أردنا فهم الأيديولوجيا الإخوانية من جذورها، لا من نتائجها فقط.