النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

هل ستكون «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» سيفًا مسلطًا على رقبة إيران؟

علم إيران
كريم عزيز -

قالت الدكتورة نيفين وهدان، أستاذ العلوم السياسية، إن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» تأتي في لحظة إقليمية ودولية شديدة الخطورة والحساسية، وفي ظل إعادة تشكيل واضحة لخريطة الأمن الإقليمي، مؤكدة أنها تكتسب أهميتها من تبنيها مبدأً محوريًا في الدفاع المشترك، مؤداه أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الأطراف يُعد هجومًا عليها جميعًا، بما ينقل أي مواجهة محتملة من إطارها الثنائي إلى نطاق جماعي أوسع، ويمنح الاتفاقية بعدًا ردعيًا مهمًا. 

وأضافت «وهدان» لـ«النهار»، أن الاتفاقية تتضمن تعزيز التنسيق السياسي والعسكري والتدريبات المشتركة والتعاون في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والأنظمة غير المأهولة والحرب السيبرانية والإلكترونية والذكاء الاصطناعي، وهو ما يتجاوز الإطار التقليدي للتعاون العسكري ويفتح المجال أمام بناء منظومة أمن جماعي إقليمية قابلة للتطور وفقًا للتحولات الاستراتيجية في المنطقة.

ومن منظور نظرية الردع، أكدت أستاذ العلوم السياسية، أن القيمة الأساسية للاتفاقية لا تكمن بالضرورة في استخدامها الفعلي للقوة، وإنما في رفع تكلفة أي قرار محتمل باستخدام القوة ضد إحدى الدول الأعضاء، فإيران لن تكون أمام مواجهة مع دولة منفردة يمكن ممارسة الضغط عليها بصورة منفصلة، وإنما أمام ترتيبات تجمع بين الثقل الاقتصادي والاستراتيجي للسعودية، والقدرات العسكرية والتكنولوجية لتركيا، والقدرات العسكرية المتقدمة لباكستان. وبالتالي، فإن تنوع مصادر القوة داخل هذا الترتيب يمنحه وزنًا استراتيجيًا يتجاوز كونه مجرد تحالف سياسي رمزي.

كما تعكس الاتفاقية تحولًا مهمًا في مفهوم الأمن الخليجي والإقليمي، إذ تتجه بعض الدول إلى تنويع شراكاتها الدفاعية وعدم الاعتماد على مظلة أمنية واحدة، هذا التحول يفرض على إيران إعادة تقييم البيئة الاستراتيجية المحيطة بها، خصوصًا إذا تطورت الاتفاقية مستقبلًا إلى منظومة أكثر تكاملًا في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي، وتبادل المعلومات والاستخبارات، والتصنيع العسكري، والأمن السيبراني. ومن هنا، فإن أهمية الاتفاقية بالنسبة لإيران لا ترتبط فقط بما تنص عليه حاليًا، وإنما أيضًا بما يمكن أن تتحول إليه مستقبلًا، وفق «وهدان».

لكن وصف الاتفاقية بأنها «سيف مسلط على رقبة إيران» يحتاج إلى قدر من التحفظ الأكاديمي والسياسي. فالخطاب الرسمي المصاحب للاتفاقية يؤكد طبيعتها الدفاعية، ولا يعني بالضرورة أنها تحالف هجومي يستهدف إيران باعتبارها عدوًا مشتركًا. وبالتالي، فإن تقديمها باعتبارها تحالفًا عسكريًا موجهًا مباشرة ضد طهران سيكون قراءة تتجاوز المعلن سياسيًا. كما أن تحويلها إلى أداة للمواجهة المباشرة مع إيران قد يتعارض مع مصالح الدول الأعضاء نفسها، التي تسعى إلى تعزيز أمنها ورفع قدرتها على الردع، مع تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة.

ومع ذلك، فإن الرسالة الاستراتيجية غير المباشرة إلى إيران واضحة: قواعد اللعبة الأمنية في المنطقة تتغير. فبدل التعامل مع كل دولة بصورة منفردة، تتجه دول مؤثرة إلى بناء شبكة دفاعية متعددة الأطراف. وكلما اتسعت هذه الشبكة أو انضمت إليها دول أخرى ذات وزن سياسي وعسكري، ارتفعت قدرتها على إنتاج الردع، وتراجع هامش المناورة أمام أي طرف يفكر في استخدام القوة.

وهنا تظهر المعضلة الحقيقية أمام طهران، بحسب أستاذ العلوم السياسية، فإيران لا تواجه بالضرورة تحالفًا يستهدفها عسكريًا، وإنما تواجه احتمال نشوء بيئة إقليمية أكثر قدرة على احتواء نفوذها ورفع تكلفة أدوات الضغط العسكري وغير المباشر. وفي الوقت نفسه، فإن استمرار قنوات الاتصال والحوار مع إيران يؤكد أن الهدف ليس بالضرورة عزلها، وإنما إعادة صياغة توازن القوى بحيث يصبح الحوار قائمًا على قدر أكبر من التكافؤ والردع المتبادل.

ومن ثم، فإن التعبير الأدق سياسيًا هو أن اتفاقية مكة تمثل «سيف ردع» أكثر من كونها «سيف حرب». فقوتها الحقيقية ستتوقف على قدرة الدول الأعضاء على تحويل المبادئ السياسية إلى آليات عسكرية ومؤسسية فعلية، وعلى مستوى التنسيق في الدفاع الجوي والصاروخي والاستخبارات والأمن السيبراني والتصنيع العسكري.

وفي المحصلة، لا تعني اتفاقية مكة أن إيران أصبحت محاصرة عسكريًا، لكنها تعني أن تكلفة استخدام القوة الإيرانية في الإقليم قد ترتفع بصورة ملموسة. وإذا تطورت الاتفاقية إلى إطار أمني أوسع، فقد تصبح أحد المكونات الرئيسية للنظام الأمني الجديد في الشرق الأوسط، بما يجبر طهران على إعادة حساباتها بشأن الردع والتحالفات والنفوذ الإقليمي.