خبير : التصنيع الزراعي مفتاح تعظيم القيمة المضافة وزيادة عائد الصادرات

قال الدكتور علي إبراهيم، الخبير الزراعي، إن الزراعة المصرية لم تعد مجرد نشاط إنتاجي يقتصر على توفير الغذاء، وإنما أصبحت قطاعا اقتصاديا واستراتيجيا يرتبط بصورة مباشرة بالأمن الغذائي والاقتصاد القومي، خاصة في ظل المتغيرات العالمية المتسارعة وما تفرضه من تحديات تتعلق بأسعار الغذاء والطاقة والأسمدة واضطرابات سلاسل الإمداد والتغيرات المناخية.
وأوضح إبراهيم أن السياسة الزراعية المصرية أصبحت مطالبة بتحقيق أكثر من هدف في الوقت نفسه، على رأسها زيادة الإنتاجية، وتقليل الفجوة الغذائية، وترشيد استخدام الموارد، وزيادة الصادرات، وتحسين دخول المزارعين، مشيرا إلى أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب التعامل مع الزراعة باعتبارها جزءا أساسيا من منظومة الاقتصاد وليس قطاعا منفصلا عنها.
وأضاف أن الظروف العالمية الحالية أثبتت أن الأمن الغذائي أصبح جزءا من الأمن الاقتصادي والقومي، لافتا إلى أن الاعتماد الكامل على الاستيراد في السلع الاستراتيجية يجعل الاقتصاد أكثر تعرضا للصدمات الخارجية، ولذلك فإن زيادة الإنتاج المحلي لبعض المحاصيل والسلع الأساسية تمثل ضرورة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تنويع مصادر الاستيراد وعدم الاعتماد على مصدر واحد.
وأشار إلى أن تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل من جميع السلع الزراعية ليس بالضرورة هدفا اقتصاديا في كل الحالات، وإنما الأهم هو تحقيق أعلى كفاءة ممكنة في استخدام الأرض والمياه والموارد المتاحة، واختيار المحاصيل التي تحقق أعلى عائد اقتصادي وتخدم احتياجات السوق المحلي والتصدير.
وأكد إبراهيم في تصريحات للنهار ، أن المياه أصبحت أحد أهم المحددات التي يجب أن تقوم عليها السياسة الزراعية المصرية، موضحا أن التوسع الزراعي لا ينبغي أن يقاس فقط بزيادة المساحات، وإنما بمدى القدرة على زيادة الإنتاجية والعائد الاقتصادي لكل وحدة مياه، وهو ما يتطلب التوسع في نظم الري الحديثة والزراعة الدقيقة والأصناف الأكثر تحملا للظروف المناخية.
ولفت إلى أن التغيرات المناخية أصبحت عاملا اقتصاديا مؤثرا في الزراعة، لأنها تنعكس على إنتاجية المحاصيل وجودتها وتكلفة إنتاجها، وبالتالي على أسعار الغذاء ودخل المزارع، مؤكدا أهمية الاستثمار في البحث العلمي لإنتاج أصناف أكثر تحملا للحرارة والجفاف، وتطوير نظم الإنذار المبكر والتعامل مع التغيرات المناخية.
وشدد الخبير الزراعي على أن زيادة الصادرات الزراعية تمثل فرصة مهمة أمام مصر لتعزيز مواردها من النقد الأجنبي، لكن تعظيم العائد لن يتحقق من خلال زيادة الكميات المصدرة فقط، وإنما من خلال التوسع في التصنيع الزراعي وزيادة القيمة المضافة للمنتجات، بحيث لا تقتصر الصادرات على المنتج الخام.
وأوضح أن قطاع الزراعة يرتبط بسلسلة طويلة من الأنشطة الاقتصادية، تبدأ من مستلزمات الإنتاج وتمتد إلى النقل والتخزين والتعبئة والتصنيع والتجارة والتصدير، وبالتالي فإن تطوير الزراعة يمكن أن ينعكس على قطاعات صناعية وخدمية متعددة، ويخلق فرصا جديدة للاستثمار والعمل.
وأشار إبراهيم إلى أن البحث العلمي يجب أن ينتقل من مرحلة إنتاج الدراسات والأبحاث إلى مرحلة تحويل النتائج البحثية إلى تطبيقات اقتصادية، من خلال تطوير الأصناف والتقاوي والتكنولوجيا الزراعية وربط مراكز البحوث بالقطاع الخاص والمزارعين، مؤكدا أن امتلاك تقاوي وأصناف محلية ذات إنتاجية مرتفعة وقدرة على تحمل الظروف المناخية يمثل أحد عناصر دعم الأمن الغذائي.
كما أكد أهمية التحول الرقمي واستخدام الذكاء الاصطناعي في الزراعة، موضحا أن التكنولوجيا يمكن أن تساعد في تحديد الاحتياجات المائية والسمادية، والكشف المبكر عن الأمراض، وتحسين الإنتاجية، والتنبؤ بالإنتاج والأسعار، وتحسين إدارة سلاسل الإمداد، بما يجعل القرار الزراعي أكثر اعتمادا على البيانات.
وأضاف أن القطاع الخاص سيكون له دور متزايد في مستقبل الزراعة المصرية، خاصة في مجالات التصنيع الغذائي والتعبئة والتخزين والتبريد والتقاوي والميكنة والزراعة الذكية، مشيرا إلى أن جذب الاستثمارات يتطلب بيئة مستقرة وسياسات واضحة تضمن للمستثمر القدرة على التخطيط طويل الأجل.
وشدد إبراهيم على أن المزارع يجب أن يكون في قلب السياسة الزراعية، لأن أي استراتيجية لا تؤدي في النهاية إلى تحسين دخل المزارع وتحقيق عائد عادل له لن تكون قابلة للاستمرار، موضحا أن دعم الإرشاد الزراعي والزراعة التعاقدية وتحسين التسويق وتوفير مستلزمات الإنتاج في الوقت المناسب يمكن أن يرفع كفاءة القطاع ويحد من المخاطر التي يتحملها المزارع.

