النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

باحث فلسطيني لـ”النهار”: المعركة الاقتصادية في غزة حول القدرة على امتلاك المال والتحكم في حركته

تتزايد الضغوط على حركة الأموال في قطاع غزة مع تصاعد الحديث عن احتمال فقدان بعض الأوراق النقدية لقيمتها
عبدالرحمن كمال -

تتزايد الضغوط على حركة الأموال في قطاع غزة مع تصاعد الحديث عن احتمال فقدان بعض الأوراق النقدية لقيمتها، بالتزامن مع اتساع الاعتماد على التحويلات البنكية والمحافظ الإلكترونية في ظل شح السيولة النقدية، وهو ما يفتح الباب أمام تداعيات اقتصادية تتجاوز مسألة وسيلة الدفع إلى قدرة التجار والأسر على الوصول إلى أموالهم واستخدامها في تلبية احتياجاتهم وإدارة أنشطتهم اليومية.

ويرى الباحث الاقتصادي الفلسطيني أحمد أبو قمر أن التصريحات الإسرائيلية بشأن احتمال فقدان بعض الأوراق النقدية لقيمتها لا ينبغي التعامل معها باعتبارها قراراً نقدياً نافذاً بمجرد صدورها، موضحاً أن صلاحية العملة واستبدالها وإلغائها ترتبط بقرار رسمي من الجهة النقدية المختصة، بما يتطلب تحديد الأوراق المشمولة بالإجراء وموعد الاستبدال والمهلة القانونية الممنوحة لحامليها. وبناءً على ذلك، فإن التصريحات غير المصحوبة بقرار رسمي تظل في إطار التحذير الذي يمكن أن يثير القلق في السوق، لكنها لا تعني بذاتها إلغاء قيمة النقد المتداول.

الثقة تهتز في السوق

ويشير أبو قمر، في تصريحات لـ"النهار"، إلى أن الخطر الاقتصادي الأهم قد يبدأ قبل صدور أي قرار رسمي، وتحديداً من تراجع الثقة بالنقد المتداول. فعندما يعتقد الأفراد والتجار أن الأموال الموجودة في حوزتهم يمكن أن تصبح بلا قيمة، قد يبدأ بعض التجار في رفض قبولها أو التعامل معها بأقل من قيمتها، بما يؤدي إلى تراجع السيولة المتاحة وزيادة الارتباك داخل السوق.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في غزة، حيث لا يزال النقد يمثل عنصراً أساسياً في الرواتب والمعاملات اليومية، في ظل صعوبة الاعتماد الكامل على النظام المصرفي. ومن ثم، فإن دفع المواطنين إلى التخلص من النقد أو تقليص الاعتماد عليه من دون توفير بديل آمن وفعال قد يتحول إلى ضغط اقتصادي إضافي، ولا سيما إذا تزامن ذلك مع توجه متواصل نحو تقليص استخدام النقد وتوسيع نطاق الدفع الإلكتروني.

ولا يرى الباحث أن القضية تقتصر على استبدال وسيلة دفع بأخرى، إذ إن الانتقال القسري إلى التعاملات الإلكترونية يفرض بدوره أسئلة تتعلق بقدرة الأفراد والتجار على الوصول إلى الحسابات وإجراء التحويلات والتصرف في أموالهم دون قيود تعرقل النشاط الاقتصادي. وإذا كان هناك توجه لإلغاء أوراق نقدية محددة، فإن المسألة تتطلب، بحسب أبو قمر، قراراً رسمياً واضحاً وفترة قانونية كافية تتيح للناس استبدال أموالهم دون أن يتحول الإجراء إلى خسارة مباشرة لمدخراتهم.

الحسابات تحت الضغط

وتزداد تعقيدات المشهد مع القيود التي يواجهها بعض التجار في التعامل مع الحسابات المصرفية، بعدما أصبح الحساب البنكي جزءاً أساسياً من دورة النشاط التجاري في غزة، خصوصاً مع شح السيولة النقدية واتساع الاعتماد على التحويلات المصرفية والمحافظ الإلكترونية.

ويشير أبو قمر إلى أن وسائل الدفع الرقمية، التي يفترض أن تمنح التجار قدرة أكبر على تنفيذ معاملاتهم، تصطدم في بعض الحالات بقيود مصرفية تضع أصحاب الأعمال أمام معادلة شديدة الصعوبة؛ فقد يكون النشاط التجاري قائماً وله سجل تجاري، بينما يصعب تحويل الحساب الشخصي إلى حساب تجاري، أو يكون الحساب التجاري متوقفاً ويصعب إعادة تفعيله، فضلاً عن وجود سقوف للتحويلات قد لا تتناسب مع طبيعة بعض الأنشطة وحجم معاملاتها.

ولا تتوقف آثار هذه القيود عند حدود التاجر أو صاحب النشاط التجاري، إذ إن أي تراجع في قدرته على تحويل الأموال ينعكس على سلسلة واسعة من العمليات المرتبطة بالسوق، بدءاً من شراء البضائع ودفع مستحقات الموردين، مروراً بتسديد الالتزامات المالية، وصولاً إلى تأمين السلع والخدمات للمستهلكين. ومع تحول الدفع الإلكتروني إلى مكوّن متزايد الأهمية في حركة السوق، تصبح مرونة النظام المصرفي عاملاً مؤثراً بصورة مباشرة في قدرة النشاط التجاري على الاستمرار.

الرقابة مقابل النشاط

وفي المقابل، يقر أبو قمر بأن البنوك تعمل ضمن متطلبات قانونية ورقابية لا يمكن تجاوزها، بما في ذلك تحديث بيانات العملاء والتحقق من طبيعة الأنشطة وحركة الأموال، وهي إجراءات ضرورية للحفاظ على سلامة النظام المالي ومواجهة المخاطر المرتبطة بالمعاملات المالية.

غير أن التحدي، وفق رؤيته، يتمثل في إيجاد مساحة عملية تحقق التوازن بين مقتضيات الرقابة من جهة، وحاجة النشاط التجاري إلى المرونة من جهة أخرى. ويطرح في هذا السياق اعتماد السجل التجاري باعتباره وثيقة أساسية لإثبات النشاط، إلى جانب مراجعة سقوف التحويلات بما يتناسب مع طبيعة كل نشاط، وتسريع إجراءات إعادة تفعيل الحسابات التجارية التي تستوفي المتطلبات القانونية.

ويكتسب هذا التوازن أهمية مضاعفة في اقتصاد يعاني أصلاً من ضعف السيولة وتراجع القدرة على الحركة، إذ إن الإجراءات المصرفية التي تهدف إلى حماية النظام المالي قد تتحول، إذا لم تترافق مع آليات مرنة وسريعة، إلى عامل يعيق الدورة الاقتصادية نفسها. فالتاجر يحتاج إلى الوصول إلى أمواله في الوقت المناسب حتى يتمكن من شراء البضائع ودفع مستحقاته واستمرار النشاط، بينما يحتاج النظام المصرفي في الوقت ذاته إلى الحفاظ على أدوات الرقابة والتحقق.

السيطرة على حركة المال

ويرى أبو قمر أن جوهر المشكلة يتجاوز مسألة الأوراق النقدية أو الانتقال من النقد إلى الدفع الإلكتروني، ليصل إلى سؤال أوسع يتعلق بمن يمتلك القدرة على التحكم في حركة المال داخل الاقتصاد. فحين يصبح النقد مهدداً بفقدان الثقة، وتصبح الحسابات المصرفية خاضعة لقيود تحد من قدرة أصحابها على استخدامها، تتحول السيطرة على حركة الأموال إلى عامل مؤثر في حركة الاقتصاد ذاته.

وتزداد حساسية هذا الأمر في غزة، حيث لا يمكن فصل النشاط التجاري عن قدرة الأفراد والمؤسسات على الوصول إلى السيولة وتنفيذ التحويلات وتسوية المدفوعات. وفي ظل شح النقد واتساع الاعتماد على الوسائل الإلكترونية، فإن أي اضطراب في إحدى القنوات المالية يمكن أن ينتقل سريعاً إلى بقية أجزاء السوق، فيؤثر في التجارة والموردين والمستهلكين والقدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية.

ومن هذه الزاوية، فإن الانتقال إلى الدفع الإلكتروني لا يمثل بالضرورة حلاً مستقلاً لأزمة السيولة، ما لم يكن مصحوباً بنظام مصرفي قادر على توفير الوصول الفعّال إلى الأموال وإجراء التحويلات بما يتناسب مع النشاط الاقتصادي. فالتكنولوجيا قد تغير طريقة انتقال المال، لكنها لا تحل وحدها مشكلة محدودية الدخل أو ضعف القدرة الشرائية أو القيود التي تعيق حركة الأموال.

اقتصاد محاصر بالقيود

وبحسب أبو قمر، فإن معالجة هذه الإشكالات تتطلب النظر إلى حركة المال باعتبارها جزءاً من قدرة الاقتصاد على العمل، وليس مجرد مسألة تقنية مرتبطة بطريقة الدفع. فحماية قيمة النقد تحتاج إلى إجراءات رسمية واضحة عند اتخاذ أي قرار بشأن استبدال الأوراق النقدية، بينما يتطلب توسيع الدفع الإلكتروني توفير بيئة مصرفية تتيح للأفراد والتجار الوصول إلى أموالهم وإدارة معاملاتهم بكفاءة.

كما أن معالجة القيود المصرفية تحتاج إلى آليات توازن بين الالتزام بالمتطلبات القانونية والرقابية وبين عدم تعطيل الأنشطة التجارية القائمة. ويشمل ذلك تسهيل إثبات النشاط التجاري، ومراجعة سقوف التحويلات وفق طبيعة الأعمال، وتسريع معالجة الحسابات المتوقفة عندما تكون أوضاعها مستوفية للشروط المطلوبة.

ويرى الباحث الاقتصادي الفلسطيني أن المعركة الاقتصادية في غزة لا تدور فقط حول ورقة نقدية قديمة أو وسيلة دفع جديدة، وإنما حول القدرة على امتلاك المال والوصول إليه والتحكم في حركته. فكلما أصبحت حركة الأموال أكثر تقييداً، انعكس ذلك على حركة السلع والخدمات والتجارة، بينما يصبح توفير قنوات مالية آمنة وفعالة شرطاً أساسياً للحفاظ على الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي في القطاع.