باحث لـ”النهار”: ترامب يبحث عن وساطات جديدة مع إيران.. وطريق أوروبا لن يكون سهلا

يرى الباحث أحمد المالكي، رئيس مركز شؤون دولية باللغة العربية للدراسات السياسية والإعلامية، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بات يعتمد في تعامله مع الملفات الدولية، وفي مقدمتها المواجهة مع إيران، أسلوباً يجمع بين التصريحات المتناقضة والسخرية والتهديد، بما يجعل من الصعب أحياناً تحديد الموقف الأمريكي الفعلي أو الفصل بين ما يقال للاستهلاك السياسي والإعلامي وما تخطط له الإدارة الأمريكية على أرض الواقع.
ويشير المالكي، في تصريحات لـ"النهار"، إلى أن ترامب كثيراً ما يطلق تصريحات في وسائل الإعلام أو عبر منصته الإلكترونية، قبل أن يعود إلى الحديث بصورة مختلفة، أو تتولى الإدارة الأمريكية أو البيت الأبيض توضيح تصريحاته أو نفيها، وهو ما أسهم، وفق تقديره، في إضعاف الثقة في خطابه السياسي.
ويضيف الباحث أن هذه الطريقة في إدارة الخطاب السياسي أصبحت جزءاً من شخصية ترامب السياسية، الذي يقدم نفسه أحياناً بصورة ساخرة ومستفزة لخصومه، سواء في الداخل الأمريكي أو في علاقاته مع الدول الأخرى. ويرى أن خطورة هذا الأسلوب لا تكمن في السخرية بحد ذاتها، وإنما في صدور هذه التصريحات عن رئيس أكبر قوة دولية، في وقت يشهد فيه العالم تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية، واضطراباً في حركة التجارة والأسواق، وارتفاعاً في أسعار السلع والخدمات والطاقة.
وبحسب المالكي، فإن الخطاب الساخر لترامب لا ينفصل عن أدواته السياسية، إذ يستخدم الرئيس الأمريكي أحياناً لغة العصا والتهديد، ثم ينتقل إلى لغة التفاوض والجزرة عندما يرى أن ذلك يخدم أهدافه. ويعتبر أن هذه الازدواجية تجعل التعامل مع الموقف الأمريكي أكثر تعقيداً، خصوصاً أن التصريحات الصادرة عن ترامب قد تحمل رسائل متعددة في الوقت نفسه، بعضها موجه إلى الخصوم، وبعضها إلى الداخل الأمريكي، وبعضها الآخر إلى الأسواق والحلفاء.
هرمز في المواجهة
ويتوقف المالكي عند تصريحات ترامب بشأن مضيق هرمز، ولا سيما حديثه عن إمكانية أن يصبح المضيق جزءاً من الأراضي الأمريكية، معتبراً أن مثل هذه التصريحات تمثل استفزازاً مباشراً لإيران، فضلاً عن تعارضها، من وجهة نظره، مع قواعد القانون الدولي المتعلقة بسيادة الدول. ويرى أن طهران لم تتعامل مع هذه التصريحات باعتبارها مجرد مزاح سياسي، وإنما ردت عليها بالتأكيد أن المضيق كان ولا يزال وسيبقى مرتبطاً بالسيادة والإدارة الإيرانية، مع صدور تهديدات بعدم السماح للولايات المتحدة أو الاحتلال الإسرائيلي بالمرور فيه.
ويعتقد الباحث أن المواجهة حول مضيق هرمز تحولت إلى واحدة من أهم أوراق الضغط المتبادلة بين واشنطن وطهران، بعدما أصبح المضيق مرتبطاً بصورة مباشرة بأسعار النفط والبنزين وحركة التجارة العالمية. فبينما تلوّح الولايات المتحدة بالسيطرة على المضيق وتضغط على إيران، تتمسك طهران بالورقة ذاتها باعتبارها إحدى أدوات الردع والضغط، الأمر الذي يضع الإدارة الأمريكية أمام معادلة صعبة بين استمرار التصعيد وبين منع ارتفاع أسعار الطاقة إلى مستويات قد تنعكس سلباً على الاقتصاد الأمريكي.
ويرى المالكي أن رفض إيران العودة إلى طاولة المفاوضات وفق الشروط الأمريكية دفع ترامب إلى البحث عن وساطات جديدة، بعدما تراجعت، بحسب تقديره، فاعلية الوسطاء السابقين في إقناع طهران بالعودة إلى مسار التفاوض. وفي هذا السياق، يبرز الدور الأوروبي باعتباره خياراً محتملاً أمام واشنطن، خصوصاً أن الدول الأوروبية نفسها تأثرت بتداعيات الحرب، ولا سيما بسبب اضطراب حركة الملاحة والطاقة المرتبطة بمضيق هرمز.
أوروبا أمام ترامب
ويشير المالكي إلى أن اللجوء إلى الوساطة الأوروبية لا يعني أن الطريق أمامها سيكون سهلاً، إذ تحمل إيران، وفق رؤيته، موقفاً سلبياً من الدور الأوروبي في الأزمة، باعتبار أن العواصم الأوروبية لم تتمكن من منع اندلاع الحرب، وأنها سمحت لواشنطن بالذهاب بعيداً في التصعيد ضد طهران، فضلاً عن انحيازها إلى الموقف الإسرائيلي في مراحل سابقة من الصراع.
وفي المقابل، يرى الباحث أن العلاقات بين ترامب وأوروبا نفسها تمر بمرحلة توتر متزايد، على خلفية ما يصفه باستعلاء الرئيس الأمريكي في التعامل مع الملفات الأمنية الأوروبية، وتهديداته المتكررة بشأن التزامات الولايات المتحدة تجاه حلف شمال الأطلسي، إلى جانب ضغوطه المتعلقة بجزيرة جرينلاند، وتهديداته بترك الأوروبيين في مواجهة روسيا إذا لم يتحملوا مسؤولياتهم الأمنية بصورة أكبر.
ويضيف أن رفض الدول الأوروبية المشاركة المباشرة في الحرب على إيران خلق فجوة إضافية بينها وبين الإدارة الأمريكية، إلا أن حاجة واشنطن إلى مخرج سياسي من الأزمة قد تدفعها في الوقت ذاته إلى الاستعانة بالدول الأوروبية، خصوصاً إذا استمر رفض طهران الانصياع للضغوط الأمريكية المباشرة. وبذلك تصبح أوروبا أمام مفارقة صعبة: فهي متضررة من استمرار الحرب، لكنها في الوقت ذاته لا تملك بالضرورة أدوات كافية لإقناع إيران بالتنازل عن شروطها.
السخرية والانتخابات
ويرى المالكي أن أسلوب ترامب في الخطاب السياسي لا يقتصر على السياسة الخارجية، بل يمتد إلى الداخل الأمريكي، حيث يستخدم السخرية في مواجهة خصومه السياسيين، ويعتمد خطاباً استفزازياً أمام أنصاره وفي المؤتمرات ووسائل الإعلام. ويعتبر أن هذه الطريقة تمنحه حضوراً إعلامياً واسعاً، لكنها في المقابل تفرض عليه كلفة سياسية متزايدة، خصوصاً مع ما يشير إليه من تراجع في شعبيته وفق استطلاعات رأي أمريكية.
وبحسب الباحث، فإن تراجع شعبية ترامب لا يمثل مشكلة شخصية للرئيس وحده، بل قد يتحول إلى عبء على الحزب الجمهوري في مواجهة الحزب الديمقراطي، ولا سيما إذا ارتبطت الأزمة الخارجية بتداعيات اقتصادية مباشرة على المواطن الأمريكي، مثل ارتفاع أسعار البنزين والسلع والخدمات. ويشير إلى أن استمرار الحرب واضطراب الأسواق قد يجعل الجمهور الأمريكي أكثر حساسية تجاه نتائج القرارات الخارجية، حتى وإن ظلت الإدارة تقدمها باعتبارها جزءاً من استراتيجية لحماية المصالح الأمريكية.
ويذهب المالكي إلى أن تصريحات ترامب الاستفزازية قد تكون محسوبة في بعض الأحيان، لأن الرئيس الأمريكي يدرك قدرتها على استفزاز الخصوم ودفعهم إلى الرد، بما يوفر له أدوات إضافية لإدارة الصراع. لكنه يرى أن المشكلة تكمن في أن هذه التصريحات قد تتحول من أداة ضغط إلى عامل يفاقم الأزمة، خصوصاً عندما تتصل بملفات السيادة والطاقة والممرات البحرية الاستراتيجية.
النفط خلف التصعيد
ويعتبر المالكي أن المواجهة الأمريكية مع إيران لا يمكن تفسيرها من زاوية الملف النووي وحده، إذ يرى أن المصالح الاقتصادية والطاقة ومضيق هرمز تشكل عناصر أساسية في الحسابات الأمريكية. ويشير إلى أن ترامب، بوصفه رجل أعمال، ينظر إلى الصفقات والمكاسب الاقتصادية باعتبارها جزءاً من السياسة الخارجية، وأن الضغوط التي تمارسها واشنطن على طهران تتجاوز مسألة التفاوض النووي إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة الاقتصادية والسياسية المحيطة بإيران.
ويرى الباحث أن ما يسميه «استراتيجية الغضب الاقتصادي» بات يمثل أحد الخيارات الرئيسية أمام ترامب بعد تعثر استراتيجية التصعيد العسكري. وتقوم هذه المقاربة، وفق تصوره، على تصعيد العقوبات الاقتصادية، وتشديد الضغوط على الموانئ الإيرانية، ومحاولة خنق الموارد الاقتصادية، وصولاً إلى دفع الأوضاع الداخلية في إيران نحو حالة من الضغط يمكن أن تؤثر في قدرة النظام على الاستمرار في المواجهة.
ويشير المالكي إلى أن هذه الاستراتيجية تحظى، بحسب تقديره، بدعم نائب الرئيس الأمريكي ووزير الخزانة، وأن الرهان الأساسي فيها يتمثل في تحقيق ما لم تتمكن العمليات العسكرية من تحقيقه. فبدلاً من الاعتماد على الضربات العسكرية وحدها لإجبار طهران على التراجع، تحاول واشنطن استخدام الاقتصاد والطاقة والعقوبات باعتبارها أدوات ضغط متدرجة يمكن أن تؤدي إلى تغيير الحسابات الإيرانية من دون الدخول في حرب مفتوحة طويلة الأمد.
نتنياهو والفرصة الضائعة
ويرى المالكي أن رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لعب دوراً مؤثراً في دفع ترامب نحو الخيارات العسكرية، معتبراً أن الرئيس الأمريكي أضاع، نتيجة ثقته بنتنياهو، فرصة كان يمكن أن تتيح له الدخول في مسار تفاوضي أكثر فاعلية مع إيران بدلاً من الانخراط في حرب واستنزاف اقتصادي وسياسي.
ويضيف أن محاولات نتنياهو إعادة ترامب إلى خيار الضربات العسكرية لم تنجح، وفق تقديره، في دفع الرئيس الأمريكي إلى الاستمرار في المسار نفسه، إذ اختار ترامب الانتقال إلى استراتيجية الضغط الاقتصادي، مع إبقاء التهديد العسكري قائماً كورقة ضغط. ويعتبر الباحث أن هذا التحول يكشف عن إدراك أمريكي متزايد لكلفة استمرار الحرب، خصوصاً في ظل صعوبة تحقيق أهداف حاسمة داخل إيران.
وبحسب المالكي، فإن ترامب يجد نفسه اليوم أمام مأزق سياسي، فهو يريد الخروج من الحرب بصورة تسمح له بالقول إنه حقق أهدافه، لكنه يواجه في الوقت نفسه ضغوطاً من الكونغرس والإعلام الأمريكي، إضافة إلى تيارات داخل الحزب الجمهوري ترى أن الحسم العسكري يمثل الخيار الأكثر قوة. وفي المقابل، فإن استمرار الحرب دون نتائج واضحة قد يحولها إلى عبء على الرئيس والحزب الجمهوري معاً.
روسيا تستغل الانشغال
ويحذر المالكي من أن انشغال الولايات المتحدة بالصراع مع إيران يمنح روسيا والصين وقوى دولية أخرى مساحة أكبر للتحرك في ملفات ومناطق مختلفة. ويرى أن موسكو تستفيد من انشغال واشنطن بالشرق الأوسط في تعزيز حضورها وإرسال رسائل إلى أوروبا وحلفاء الولايات المتحدة، سواء من خلال التحركات العسكرية أو النشاط السياسي والإعلامي.
ويشير الباحث إلى زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى جزر الكوريل المتنازع عليها بين روسيا واليابان، باعتبارها، في تقديره، مثالاً على قدرة موسكو على استثمار انشغال الولايات المتحدة بالشرق الأوسط لاستعراض قوتها أمام حلفائها. كما يربط بين التحركات الروسية في أوروبا وبين الرسائل الموجهة إلى حلف شمال الأطلسي، وإلى واشنطن بشأن استمرار الدعم الغربي لأوكرانيا.
ويرى المالكي أن موسكو تدرك أهمية العلاقة مع إيران، ولذلك فإن استمرار الضغط الأمريكي على طهران لا ينظر إليه في الكرملين باعتباره أزمة إيرانية فقط، بل باعتباره تطوراً يمس المصالح الروسية في المنطقة. ومن ثم، فإن الحرب الأمريكية الإيرانية تفتح أمام روسيا مجالاً أوسع لاستخدام أدوات الحرب النفسية والإعلامية والسياسية في مواجهة واشنطن وحلفائها.
لعبة الكبار
ويصف المالكي المشهد الراهن بأنه أشبه بمواجهة بين قوى كبرى تستخدم السخرية والتهديد والضغط السياسي والإعلامي في آن واحد. فكما يستفز ترامب الإيرانيين بتصريحاته حول مضيق هرمز، تستخدم موسكو، وفق رؤيته، خطاباً ورسائل سياسية تستهدف استفزاز واشنطن وحلفائها الأوروبيين واليابانيين، بما يجعل السخرية جزءاً من حرب أوسع على الوعي والحسابات السياسية.
ويعتبر أن السؤال الحقيقي ليس من يضحك في البداية، وإنما من يستطيع الخروج من المواجهة بأكبر قدر من المكاسب. فترامب قد يظهر أمام الشاشات ووسائل الإعلام ساخراً وواثقاً، لكن ذلك لا يعني أن إدارته لا تواجه أزمة حقيقية في البحث عن مخرج من الملف الإيراني. وفي المقابل، تتمسك إيران بشروطها وترفض التنازل عما تعتبره حقوقاً سيادية، وتستخدم مضيق هرمز كورقة ضغط قادرة على التأثير في واشنطن والأسواق العالمية.
ويشير الباحث إلى أن طهران نجحت، وفق تقديره، في دفع الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في بعض أهدافها المعلنة، خصوصاً مع تصاعد المخاوف من تأثير الحرب في أسعار النفط والبنزين. ويرى أن الحديث الأمريكي عن أن الملف النووي لم يعد الهدف الأول في المرحلة الحالية يعكس، من وجهة نظره، تغيراً في أولويات الإدارة الأمريكية تحت ضغط تطورات الحرب والاقتصاد والطاقة.
مأزق القوة الأمريكية
ويخلص المالكي إلى أن ترامب، رغم ظهوره أحياناً بصورة الرئيس غير المتوقع أو غير المسؤول، يدرك طبيعة الصفقات وموازين المصالح، إلا أن محاولته فرض صفقة على إيران لم تحقق النتائج التي أرادها حتى الآن. ويرى أن الحرب أضعفت جزءاً من الحسابات الأمريكية التي كانت تستهدف منح واشنطن مساحة أكبر للتحرك في ملفات أخرى، وفي مقدمتها مواجهة الطموح الصيني والتعامل مع التهديد الروسي وتأمين المصالح الأمريكية على حدودها ومناطق نفوذها الحيوية.
ويعتبر أن انشغال واشنطن بإيران في الوقت الراهن يمنح خصومها ومنافسيها فرصة لإعادة ترتيب أوراقهم، بينما تتحمل الولايات المتحدة كلفة اقتصادية وسياسية وأمنية متزايدة. ومن هنا، فإن استمرار الحرب قد لا يؤدي بالضرورة إلى تعزيز النفوذ الأمريكي، بل قد يفتح مساحات إضافية أمام روسيا ويزيد الضغوط على أوروبا ويعيد ترتيب التوازنات الإقليمية بصورة لا تتطابق مع الأهداف التي دخلت واشنطن الحرب من أجلها.
ويؤكد المالكي أن المنطقة تقف أمام مرحلة شديدة الحساسية، في ظل تمسك إيران بمواقفها، ومحاولة الولايات المتحدة الجمع بين التهديد العسكري والضغط الاقتصادي، وسعي أطراف إقليمية إلى استثمار الأزمة لتحقيق أهدافها الخاصة. وبينما يرى بعض دول المنطقة أن الحل يكمن في إنهاء المشروع الإيراني، ترى أطراف أخرى أن التهدئة واحتواء التوتر والعودة إلى الدبلوماسية قد تكون أقل كلفة من استمرار الحرب.
وفي تقدير الباحث، فإن العالم لا يحتمل الدخول في حرب جديدة واسعة النطاق، بعدما أثبتت التجارب أن الحروب قد تبدأ بقرارات سريعة وتصريحات حادة، لكنها تحتاج سنوات طويلة حتى تنتهي آثارها. ولذلك تبقى المعركة الحقيقية بين واشنطن وطهران مفتوحة على أكثر من مسار، من التصعيد العسكري والضغط الاقتصادي إلى الوساطة والتفاوض، فيما يظل مضيق هرمز والنفط والسيادة الإيرانية من أهم الأوراق التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة.

