التنمية المُستدامة .. طوق نجاة

بقلم د. بشار عيسى
الكاتب الصحفي والمحلل السياسي والاعلامي السوري والعروبي
استحوذت الحوارات و الأحاديث عن آفاق مفردات التنمية المستدامة على اهتمام الخبراء و الباحثين في العالم أجمع ، و عُقدت من أجلها أميز المؤتمرات و أرقى المنتديات ، و لم تَعد ترفاً فكرياً فحسب بل هي مطلب أساسي لتحقيق العدالة و الإنصاف في توزيع مكاسب التنمية و الثروات بين الأجيال المختلفة لشعوب المعمورة .
يتطلب تحقيق مفهوم التنمية المستدامة توجيه الإهتمام ليس بالنمو الإقتصادي فحسب ، و إنما بالمسائل الإجتماعية و البيئية المختلفة و ما لم يتم التصدي لتحول المجتمع و إدارة البيئة إلى جانب النمو الإقتصادي فإن ذلك النمو سيتعرض للمخاطر في الأمد البعيد ، و إن وضع استراتيجية و رؤية مستقبلية لمواجهة التحديات الحالية و المستقبلية يستدعي معرفة عميقة للحالة الراهنة لمؤشرات التنمية و مقدار و اتجاه التغيرات التي طرأت عليها في ضوء الضغوط الناتجة عن العمليات التنموية و القوى المحركة لها و ما تُحدثه هذه الضغوط من تأثيرات على الإنسان و الموارد الطبيعية و الإقتصاد .
يُقصد بالتنمية المستدامة تعريفاً بأنها التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر دون الإخلال بقدرات الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها فهي عملية تغيير يجري فيها استغلال الموارد و توجيه الإستثمارات و تكييف التطوير المؤسسي بتناسق يعزز الإمكانيات الحاضرة و المستقبلية في تلبية احتياجات البشر و تطلعاتهم ، و بتعريف آخر فهي إدارة البيئة الطبيعية و الإجتماعية وفق خطة تتطابق مع مقومات استمرار الحياة أي أن يتناسب استهلاك مصادرها مع قدرتها على التجدد و بقاء جزء منها للأجيال القادمة .
تتألف التنمية المستدامة من ثلاثة عناصر رئيسية و هي :
- العنصر الإقتصادي الذي يستند إلى المبدأ القاضي بزيادة رفاه المجتمع إلى أقصى حد و القضاء على الفقر .
- العنصر الإجتماعي الذي يشير إلى العلاقة بين الطبيعة و البشر و تحسين سُبل الحصول على الخدمات الصحية و التعليمية و احترام حقوق الإنسان و التنوع و التعددية .
- العنصر البيئي و يتعلق بالحفاظ على قاعدة الموارد المادية و البيولوجية ، و من الجدير الإشارة إلى أن تحقيق التنمية المستدامة يفرض اتباع سياسات عميقة و إجراء إصلاحات مؤسسية و انخراط جميع القطاعات فيها على كل مستوياتها و النتيجة هي أن التنمية عملية تراكمية تتأسس على ما هو قائم ، و تحقيقها بمثابة عملية بقدر ما هو هدف محدد و هي مجموعة من الأعمال و الأنشطة و الممارسات القصيرة و المتوسطة و الطويلة .
يُشير مفهوم التنمية المستدامة إلى مجموعة واسعة من القضايا التي تستلزم نهجاً متعدد الجوانب لإدارة الإقتصاد و البيئة و الإهتمامات البشرية و لهذا يحتاج المخططون إلى معلومات وفيرة لتحديد الإجراءات المطلوب إتخاذها لإحراز تقدم ما ، و يُقاس وضع التنمية بالإعتماد على مجموعة من المؤشرات تُوجز فيما يلي :
- المؤشرات الإقتصادية : تتمحور في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ، و نسبة إجمالي الإستثمار و مقدار المساعدة الإنمائية الرسمية .
- المؤشرات الإجتماعية : و تتمحور في مؤشر الفقر البشري و معدل البطالة و نوعية الحياة و مستوى التعليم و معدل النمو السكاني .
- المؤشرات البيئية : و تتمحور في مستوى نصيب الفرد من الموارد المائية و كذلك من إجمالي الأراضي المزروعة و الأراضي المصابة بالتصحر و التغير في مساحة الغابات .
و ختاماً فلا بد لنا من الإشارة و التنويه إلى أن التنمية المطلوبة لا تسعى لتقدم بشري في أماكن قليلة و لسنوات معدودة فقط ، بل هي للبشرية جمعاء و على امتداد المستقبل البعيد و تفي بإحتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على توفير احتياجاتها التي تتحدد إجتماعياً و ثقافياً كما يتصورها الناس ، و هكذا فإن التنمية المستدامة هي تعبير عن تنمية تتصف بالإستقرار و تمتلك عوامل الإستمرار و تشمل عدة أنماط مختلفة و تنهض بالأرض و مقدراتها و بمختلف الموارد البشرية .

