غياب الكبار.. جيل كامل من رؤساء الأحزاب ينسحب من المشهد السياسي

هالة شكر الله لـ النهار: لا أرى حياة حزبية حقيقية في مصر.. وانتهت اللحظة التي صنعت أحزاب ما بعد 2011
محمود أباظة: تجاوزت السن التي تسمح بالعمل السياسي اليومي.. والوفد إذا لم يُصلح نفسه ذاهب إلى الضياع
محمد أبو الغار: لا أعمل في السياسة منذ سنوات.. وأكتفي بإبداء آرائي السياسية
بهاء الدين أبو شقة: أفضل الابتعاد عن الحياة الحزبية في الوقت الحالي
لم يكن غيابهم مجرد اختفاء عابر من المشهد، ولم تكن أسباب الابتعاد واحدة.. هالة شكر الله، ومحمد أبو الغار، وأبو العلا ماضي، وبهاء الدين أبو شقة، ومحمود أباظة، أسماء تصدرت في مراحل مختلفة قيادة أحزاب سياسية وصناعة المشهد العام، قبل أن تتراجع إلى الصفوف الخلفية، ويصبح حضورها اليوم أقرب إلى المراقبة والتعليق من المشاركة وصناعة القرار.
فمنهم من اختار الانسحاب، ومنهم من فرضت عليه السن والظروف الشخصية الابتعاد عن العمل اليومي، ومنهم من خرج من حزبه، بينما يرى آخرون أن المناخ السياسي نفسه لم يعد يوفر المساحة التي سمحت لهم بالوجود والتأثير في مراحل سابقة.
جريدة النهار تواصلت مع عدد من أبرز هذه الأسماء، للوقوف على أسباب ابتعادهم، ورؤيتهم لما آلت إليه الحياة الحزبية، وما إذا كان الغياب نهاية لمسيرتهم السياسية أم مجرد انتقال إلى موقع مختلف خارج المؤسسات الحزبية.
هالة شكر الله: لا أرى حياة حزبية حقيقية في مصر
الدكتورة هالة شكر الله، الرئيس الأسبق لحزب الدستور، تضع تجربتها في سياق مختلف؛ فهي تؤكد أن ابتعادها عن العمل الحزبي لم يكن نتيجة خلاف أو إقصاء، وإنما كان قرارًا موجودًا منذ اللحظة الأولى لتوليها رئاسة الحزب.
وقالت شكر الله في تصريحات خاصة لـ النهار، إن دورها في حزب الدستور كان مؤقتًا من البداية، موضحة أن الحزب كان قائمًا على فكرة شبابية، وأنها كانت ترى أن مهمتها الأساسية هي إدارة المرحلة الانتقالية إلى أن يتولى الشباب قيادة الحزب.
وأكدت أنها لا تنوي العودة إلى الحياة السياسية بمعناها التقليدي، سواء من خلال الانتخابات البرلمانية أو غيرها، معتبرة أن تجاوز الإنسان سنًا معينة يجعله أكثر قدرة على تقديم تجربته من خلال الكتابة والتعليق والتفاعل مع الأجيال الجديدة، بدلًا من العودة إلى العمل السياسي المباشر.
لكن شكر الله لم تتوقف عند تجربتها الشخصية، بل قدمت تشخيصًا حادًا للحياة الحزبية الحالية، حيث قالت إنها لا ترى حياة حزبية حقيقية، ولا ترى الشروط اللازمة لوجود حياة حزبية فاعلة، معتبرة أن الأحزاب التي خرجت من موجة سياسية جذبت أعدادًا كبيرة من المواطنين إلى العمل العام أصبحت اليوم بقايا لتلك اللحظة.
ورغم ذلك، لم تعتبر شكر الله أن التجربة السياسية انتهت إلى الأبد، مؤكدة أن الظروف يمكن أن تتغير، وأن الأجيال الجديدة تستطيع البناء على التجارب السابقة وإنتاج تجارب حزبية جديدة أكثر قدرة على الاستمرار.
محمود أباظة: تجاوزت السن التي تسمح بالعمل السياسي اليومي
أما الدكتور محمود أباظة، الرئيس الأسبق لحزب الوفد، فيرفض وصف ابتعاده بأنه اعتزال للسياسة، مؤكدًا أنه لا يزال يتابع القضايا العامة ويكتب ويشارك في البرامج والبودكاست ويطرح رؤيته السياسية.
وقال أباظة لـ«النهار» إن السبب الأساسي وراء عدم انتظامه في العمل السياسي هو تجاوزه السن التي تمكنه من أداء عمل سياسي يومي، إلى جانب إصابة حزب الوفد، بحسب وصفه، بأمراض تتعارض مع مفهومه للعمل السياسي.
وأكد أنه يعول على الجيل الجديد داخل الوفد، موضحًا أن دوره الحالي يقتصر على التوجيه وإبداء الرأي عندما يُطلب منه، بينما أصبحت مسؤولية مواجهة مشكلات الحزب وصناعة المستقبل تقع على عاتق الجيل الذي ساهم هو في تكوينه وإعداده.
وأشار إلى أنه أمضى نحو 40 عامًا في العمل السياسي، ساعيًا إلى نقل مبادئ الوفد وأسس الحركة الوطنية المصرية إلى أجيال جديدة.
لكن أباظة لم يكتفِ بتفسير أسباب ابتعاده، ووجه انتقادات مباشرة إلى الأوضاع الحالية داخل الوفد، حيث أكد أن أعضاء الهيئة العليا والجمعية العمومية واللجان العامة واللجان النوعية وكل من يشعر بالانتماء إلى تاريخ الوفد ومبادئه، عليهم مسؤولية إصلاح الحزب، محذرًا من أنه إذا لم يتحرك الوفديون لإصلاح حزبهم فإن الوفد ذاهب إلى الضياع.
وأضاف أن شيوخ الوفد يحاولون مواجهة الأوضاع الحالية بمختلف الطرق، لكنه يرى أن الجهات الداعمة للإدارة الحالية أقوى من الحقيقة والحق، مؤكدًا استمرار هذه المحاولات حتى تتضح النتائج.
محمد أبو الغار: لا أعمل في السياسة منذ سنوات
الدكتور محمد أبو الغار، الرئيس السابق للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، اختار بدوره الابتعاد عن العمل السياسي المباشر منذ سنوات، حيث قال أبو الغار في تصريحات خاصة لـ«النهار» إنه لا يعمل في أي شيء سياسي منذ سنوات، وأنه خارج هذا الأمر تمامًا، موضحًا أنه لا يرى في المرحلة الحالية دورًا يمكنه القيام به في الحياة السياسية المصرية.
وأضاف أن عامل السن أصبح أيضًا عائقًا أمام مشاركته في الفعاليات السياسية، مشيرًا إلى أنه يفضل خلال المرحلة الحالية الاكتفاء بطرح آرائه ورؤيته من خلال المقالات التي يكتبها من وقت لآخر.
وهكذا تحول أحد أبرز الوجوه التي شاركت في تأسيس أحزاب وحركات سياسية في مراحل سابقة إلى مراقب من خارج المشهد الحزبي، يشارك برأيه دون العودة إلى العمل التنظيمي أو السياسي المباشر.
بهاء الدين أبو شقة.. خروج نهائي من الوفد
وفي حالة أكثر حسمًا، جاء ابتعاد المستشار بهاء الدين أبو شقة، رئيس حزب الوفد الأسبق، عن الحياة الحزبية بعد إعلان انسحابه من سباق انتخابات رئاسة الحزب في يناير 2026، وتقديم استقالته النهائية من عضوية الوفد.
النهار تواصلت مع أبو شقة، الذي أكد أنه يفضل الابتعاد عن الحياة الحزبية في الوقت الحالي، مشيرًا إلى الأسباب التي سبق أن أوضحها عند تقديم استقالته من الحزب.
وبخروجه من الوفد، لم يكتفِ أبو شقة بالابتعاد عن موقع قيادي، وإنما أنهى عضويته في أحد أعرق الأحزاب المصرية، بعد سنوات طويلة كان خلالها واحدًا من أبرز وجوهه وقياداته.
ويبقى السؤال الذي تتركه هذه الشهادات مفتوحًا أمام الأجيال الجديدة: هل يستطيع المشهد الحزبي إنتاج كبار جدد.. أم أن غياب هؤلاء ليس سوى انعكاس لأزمة أعمق في الحياة السياسية نفسها؟

