السياحة الزراعية.. من حقول إنتاجية إلى وجهات سياحية.. صناعة تنتظر التنظيم والترويج

لم تعد المزرعة المصرية مجرد مساحة لإنتاج المحاصيل، بعدما بدأت بعض المزارع في تحويل النشاط الزراعي إلى تجربة سياحية تستقبل الزائرين وتقدم لهم جولات داخل الحقول، ومشاركة في الحصاد، وطعاما ريفيا وأنشطة ترفيهية وثقافية، بما يفتح مصدرا جديدا للإيرادات إلى جانب العائد الزراعي.
وتقوم الفكرة على بيع «التجربة» إلى جانب المحصول، من خلال الضيافة والأنشطة والمنتجات الزراعية والغذائية المحلية، بما يعيد تعريف الاستثمار في المزرعة ويفتح الباب أمام نموذج اقتصادي أكثر تنوعا للريف المصري.
وتشير بيانات شركة الأبحاث العالمية «Technavio» إلى أن سوق السياحة الزراعية عالميا مرشح للنمو بمقدار 7.5 مليار دولار خلال الفترة من 2024 إلى 2029، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 3.7%، فيما تقدر الفرصة السوقية للقطاع بنحو 36.67 مليار دولار، بما يعكس تنامي الطلب على الأنماط السياحية القائمة على التجربة والأنشطة الخارجية.
ورصدت «النهار» خلال التواصل مع عدد من المزارع التي تقدم تجارب اليوم الواحد، تنوعا في طبيعة الأنشطة والخدمات المقدمة للزائر، بين جولات داخل المزارع والتعرف على المحاصيل الموسمية والمشاركة في عمليات الحصاد، وتقديم الإفطار الريفي، وصناعة الفطير والرقاق البلدي، إلى جانب الأنشطة الترفيهية والتقاط الصور وسط الطبيعة.
وكشفت الجولة عن تفاوت واضح في أسعار البرامج والخدمات المقدمة، إذ تصل تكلفة بعض التجارب ذات الطابع الفاخر إلى نحو 3500 جنيه للفرد بالنسبة للمصريين، ونحو 100 دولار للأجنبي، بينما تقدم مزارع أخرى برامج بأسعار أكثر ملاءمة، بما يعكس تعدد مستويات المنتج وإمكانية استهداف شرائح مختلفة من الزائرين.
ويعكس هذا النموذج تحولا تدريجيا في مفهوم الاستثمار الزراعي، حيث يمكن للمزرعة تحقيق عائد إضافي من النشاط السياحي إلى جانب عائدها الأساسي من الإنتاج الزراعي، بما يفتح المجال أمام نموذج اقتصادي أكثر تنوعا للريف المصري.
وأكد الدكتور علي إبراهيم، الخبير الزراعي، أن السياحة الزراعية لم تعد مجرد زيارة لمزرعة، وإنما أصبحت تجربة متكاملة تشمل الإقامة الريفية، وتذوق المنتجات الطازجة، والمشاركة في الحصاد، والتعرف على أساليب الزراعة الحديثة، إلى جانب الأنشطة الترفيهية والثقافية.
وأوضح أن مصر تمتلك مقومات كبيرة تؤهلها لتصبح واحدة من أهم وجهات السياحة الزراعية في الشرق الأوسط وأفريقيا، في ظل التنوع الكبير في المحاصيل والمناطق الزراعية، من مزارع الموالح والعنب والمانجو والزيتون والتمور، إلى جانب المزارع الصحراوية الحديثة والريف المصري التقليدي.
وأشار إلى أن القيمة الحقيقية لهذا النشاط لا تتوقف عند جذب الزائر، وإنما تمتد إلى خلق قيمة مضافة للمنتج الزراعي نفسه، من خلال البيع المباشر للمنتجات، وتنشيط الصناعات الريفية المرتبطة بالأغذية والعسل والزيوت والأعشاب، إلى جانب توفير فرص عمل جديدة للشباب والمرأة في مجالات الضيافة والتسويق والإرشاد والأنشطة السياحية.
وأكد أن السياحة الزراعية يمكن أن تصبح مصدرا إضافيا لدخل المزارعين، وتساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي، لكنها تحتاج إلى رؤية متكاملة واستراتيجية وطنية واضحة، إلى جانب تطوير البنية الأساسية والتسويق والتدريب ورفع مستوى الخدمات.
ومن جانبه، قال محمد كارم، الخبير السياحي، إن السياحة الزراعية لم تعد مجرد نمط ترفيهي عابر، وإنما أصبحت «تجربة حياة» متكاملة يعيش خلالها السائح تفاصيل القرية المصرية، بما تضمه من تراث وحرف تقليدية وطعام ريفي وطبيعة زراعية.
وأضاف، في تصريحات خاصة لـ«النهار»، أن مصر تمتلك كافة المقومات التي تجعلها منافسا قويا في هذا النمط، بداية من تنوع القرى والحرف التقليدية، وصولا إلى نهر النيل والترع والحقول والمحاصيل الموسمية، مؤكدا أن قوة المنتج تكمن في قدرته على الربط بين السياحة الزراعية والبيئية والثقافية والنيلية.
وأوضح كارم أن التجربة السياحية يمكن أن تبدأ باستقبال الزائر بإفطار ريفي يضم الفطير والمش والجبن والبيض، ثم جولة داخل المزرعة ومشاهدة المحاصيل والمشاركة في قطفها والتعرف على طرق زراعتها، وصولا إلى تناول الغداء وشراء المنتجات الطازجة من المزرعة.
وشدد على أهمية وضع ضوابط واضحة لتنظيم النشاط، وإخضاع المزارع التي تستقبل الزائرين لإشراف الجهات المعنية، بما يضمن جودة الخدمات وسلامة التجربة ويحافظ على صورة مصر أمام السائح.
وأشار كارم إلى أن دمج السياحة الزراعية ضمن البرامج السياحية التقليدية قائم بالفعل، لكنه ما زال محدودا ويحتاج إلى التوسع، بحيث تتضمن البرامج زيارات إلى القرى والمزارع القريبة من المواقع الأثرية، بما يتيح للسائح تناول الطعام الريفي والتعرف على الحرف اليدوية والمنتجات المحلية، إلى جانب زيارته للمقاصد السياحية التقليدية، وهو ما يسهم في تنويع المنتج السياحي وزيادة جاذبية الرحلة.
وفي السياق ذاته، أكد أشرف الصحصاح، رئيس مجلس إدارة غرفة شركات السياحة بالدلتا، أن السياحة الزراعية تمثل صناعة سياحية متكاملة وليست مجرد نشاط ترفيهي، مشيرا إلى أن محافظة الغربية تتميز بإنتاج نحو 60% من إنتاج الياسمين عالميا، وهو ما يمنحها مقومات خاصة لجذب السياح المهتمين بهذا النوع من السياحة، خاصة من فرنسا وخبراء صناعة العطور.
وأوضح الصحصاح أن الدلتا تمتلك مقومات متنوعة تؤهلها لتقديم منتج سياحي زراعي متكامل، من خلال الجمع بين زيارة المزارع والمقومات الأثرية والتاريخية، لافتا إلى إمكانية دمج السياحة الزراعية بالمواقع الأثرية، ومنها كنيسة مريم العذراء بمحافظة كفر الشيخ، ومنطقة تل الفراعين الأثرية، ومدينة فوه التاريخية التي تضم عددا كبيرا من المساجد الأثرية.
وأشار إلى أن أحد أبرز التحديات التي تواجه التوسع في السياحة الزراعية يتمثل في نقص الغرف الفندقية، خاصة فئة الثلاث نجوم، التي تلائم طبيعة السائح المستهدف في هذه المناطق، مؤكدا أن تطوير شبكة الطرق يمثل عنصرا أساسيا في تسهيل الوصول إلى المقاصد الزراعية، إلى جانب ما تتمتع به مصر من مقومات مناخية وسياحية متنوعة.
وأضاف أن هناك تحركات وخططا لتنشيط السياحة الزراعية خلال الفترة المقبلة، مع إمكانية الاستفادة من مشروعات الدلتا الجديدة والمشروعات القومية الكبرى، بما يفتح المجال أمام تحويل المقومات الزراعية إلى منتجات سياحية قادرة على جذب مزيد من السائحين ودعم موارد الدولة من العملة الأجنبية.

