أسامة شرشر يكتب: القنابل الموقوتة فى حلف مكة

لقد دعونا مرارًا وتكرارًا أن يكون هناك تحالف عربى أو إسلامى، على أن تكون الدول العربية والإسلامية الفاعلة هي المحرك لأي اتفاق.
ولكن ما حدث في إعلان اتفاق مكة، واختيار مكة المكرمة وليس الرياض لإتمام هذا الاتفاق، له دلالة دينية خطيرة بأن أرض مكة تجمع كل المسلمين من كل الجنسيات والأطياف من دول العالم.
وأصبح هذا الاتفاق له صبغة دينية بالإضافة إلى الصبغة السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية.
ونحن ندعم هذا الاتفاق بين السعودية وتركيا وباكستان، خاصة أن خريطة الشرق الأوسط تتغير كل يوم، فهناك إسرائيل التى تحظى بدعم مطلق من أمريكا فى أن تكون لها اليد الطولى في المنطقة، ونحن كعرب ومسلمين ارتضينا هذا لأننا نخضع تحت الوصاية الأمريكية.
ولكن الاتفاق ملىء بالقنابل الموقوتة.. أهمها: ماذا لو رفضت أمريكا هذا التحالف؟
هل سيكون هذا التحالف شكليًّا وموجهًا لإيران وليس لإسرائيل كما تتمنى الشعوب العربية والإسلامية؟
وهل سيكون بداية لتقسيم العالم العربي والجامعة العربية، وتصنع كل دولة تحالفًا جديدًا، فبالأمس القريب كان هناك اتجاه لتحالف إماراتي هندي ردًّا على التحالف الباكستانى السعودى!
فهل ستكون الدول العربية، كل يبحث عن تحالف مع دولة ما ويصنع اتفاقية دفاع مشترك تحت راية الردع الدفاعي وليس هذا التحالف أو الاتفاق موجهًا لدولة بعينها كما يقول الكثيرون؟
وهناك قنبلة أخرى..
ما موقف دول التعاون الخليجي التى تعتبر السعودية هي الشقيق الأكبر للجميع فيه، هل سيوافقون على هذا التحالف أم لا؟
وهل سيكون هذا التحالف هو بداية لحل مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية؟
والقنبلة الأخرى: لماذا انضمت مصر إلى اتفاقية الدفاع عن البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، ولم تنضم لاتفاق مكة، خاصة أن مصر بجيشها وشعبها هي اللاعب الإقليمي الأكبر في المنطقة العربية والإسلامية والإقليمية؟!
هل هو اتفاق- كما رددت الصحف الإسرائيلية- مشروع سنى ضد المشروع الشيعي؟ أو ضد إيران بصفة خاصة؟
كنا طرحنا من قبل ضرورة أن يكون هناك تحالف مصري سعودي تركي إيراني باكستاني بموافقة عربية شاملة لمواجهة المد الصهيوني والخطر التوسعي الإسرائيلي الذي أصبح واضحًا خلال الفترة السابقة.. وما زال المخطط مستمرًّا، ورفض إسرائيل مشروع السلام في غزة ومحاولة تهويد المسجد الأقصى والإبادة الجماعية للمخيمات في الضفة الغربية ومحاولة إلغاء فلسطين من الخريطة وإصرار ترامب على الاتفاق الإبراهيمي- خير دليل على ذلك.
كل هذه القنابل الموقوتة تجعلنا نحلل ونفكر ونتوقف كثيرًا عند توقيت هذا التحالف، حيث يعمل لحساب مَنْ وموجه ضد مَنْ؟
وماذا لو طلب ترامب انضمام إسرائيل لهذا التحالف.. هل ستوافق هذه الدول أم لا؟ خاصة أن هذه الدول الثلاث تحظى بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وأن تركيا ستقوم بتوطين الصناعات العسكرية وباكستان تمتلك قوة نووية والسعودية تمتلك قوة اقتصادية ومالية وبترولية كبيرة جدا.. فالآن قام الحوثيون بضرب شركة أرامكو في السعودية فهل ستقوم الدول الثلاث بضرب اليمن؟
أم ماذا يجري بالضبط؟
كنت أتوقع وأتمنى أن يكون هذا التحالف لوقف المخطط التوسعي والاستيطاني لما يُسمَّى إسرائيل الكبرى، ووقف عمليات الإبادة التى تتم الآن في فلسطين وفي الجنوب اللبناني، وأن تكون هناك مصالحة كبرى مع إيران، وأن يكون العرب متفقين وموافقين بالإجماع على أن يكون هذا التحالف عربيًّا إسلاميًّا بالمعنى الشامل لمواجهة الخطر الإسرائيلي، وليس لحسابات ضيقة بين الدول العربية والإسلامية.
ولقد دعت مصر منذ عام 2016 لإنشاء قوة عسكرية عربية لمواجهة أي خلافات أو انقسامات عربية أو صراعات مع الكيان الصهيوني، وتم بتر هذه الفكرة بأياد عربية بناء على التعليمات الأمريكية.
أعتقد أن حكمة القوة التى تنتهجها مصر كراعية وداعمة للسلام الحقيقي وعدم الانجرار لأي تحالفات تعمل لحسابات خارجية على حساب الأمن القومي العربي- هي التى جعلتها تتأنى في الانضمام إلى التحالف في هذه الفترة؛ لأن المتغيرات والتغيرات سريعة جدًّا.. وما أسهل الاتفاقيات والتحالفات التى تواجه صعوبة على أرض الواقع في تفعيلها.
السؤال الأكثر خطورة: لماذا لا يتم أخذ رأي الشعوب في أي تحالفات قبل إعلانها؟ فنحن نفاجأ بها بلا أي تمهيد.
ولماذا في هذا التوقيت.. فالمنطقة مشتعلة أو هي قاب قوسين أو أدنى من الاشتعال بسبب ما يجري في مضيق هرمز وباب المندب والحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية.
كل هذه القنابل الموقوتة جعلتنا نتساءل ونفكر ونحلل: هل هذا التحالف موجه ضد إيران أم إسرائيل؟ أم أنه تحالف غير موجه إلى أحد؟ والأيام والأحداث ستكشف تفعيله على الأرض من خلال المواقف القادمة.
لا أحد حتى الآن يعلم بنود هذا الاتفاق كاملة، خاصة أنه لا توجد قواسم مشتركة سواء وطنية أو سياسية أو حدود جغرافية ولا حتى اللغة، فالقاسم الوحيد هو الدين كما قلنا سابقًا، واختيار مكة كرمز ديني، لسبب بسيط أن أي اتفاقية للدفاع المشترك لا بد أن تضم دولًا بها قواسم شعبية بين الشعوب تلتقى على هدف واحد هو مواجهة أي عدو مهما كان.
وحتى تكون هذه القنابل غير قابلة للانفجار في أي لحظة ويتم نزع فتيلها يجب أن تكون المكاشفة والمصارحة هي لغة هذا الاتفاق (اتفاق مكة) حتى تعلم الشعوب ما لها وما عليها.
وأخيرًا هل هذا الاتفاق مبنى على إرادة وطنية لهذه الدول الثلاث أم أنه سينهار مع أول رفض أمريكي لهذا التحالف؟
هذا ما ستكشف عنه الأيام والأحداث القادمة.

