النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

كيف ترى القيادة التركية اتفاق مكة للدفاع المشترك مع السعودية وباكستان؟

رجب طيب أردوغان
كريم عزيز -

كيف ترى القيادة التركية اتفاق مكة للدفاع المشترك مع السعودية وباكستان؟قدّم شعبان عبدالفتاح، الباحث بمركز مسارات للدراسات الاستراتيجية، تحليلاً مهماً للإجابة على التساؤل الخاص بـ «كيف تقرأ تركيا اتفاق مكة مع السعودية وباكستان»، موضحاً أن مفهوم «الملكية الإقليمية» يمثل المفتاح الأكثر أهمية لفهم الرؤية التركية للاتفاق. فالخطاب الرسمي يذهب إلى أن الاعتماد المستمر على القوى الخارجية لم يوفر للشرق الأوسط استقرارًا دائمًا، وأن دول المنطقة بحاجة إلى الانتقال من كونها مستهلكةً للأمن الذي توفره قوى خارجية إلى المشاركة المباشرة في إنتاجه. عبّر فيدان عن هذه الفكرة بوضوح عندما أكد أن القوى المهيمنة القادمة من خارج المنطقة لم تنجح في حل مشكلاتها، وأن الدول الإقليمية يجب أن تتجه نحو هياكل مؤسسية تضمن بنفسها أمنها واستقرارها الاقتصادي وتنميتها. لذلك، لا تنظر أنقرة إلى اتفاق مكة بصفته ترتيبًا عسكريًا محدودًا بين ثلاثة أطراف فحسب، بل تجربة أولية يمكن أن تؤسس لنمط مختلف من العلاقات الإقليمية.

وأوضح في تحليله، أن المستوى الثاني في الخطاب التركي يقوم على الفصل بين «التحالف الدفاعي» و«التحالف الهجومي». فالتشابه بين بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة والمادة الخامسة من ميثاق الناتو لا يعني، وفق التصور التركي، الانتقال تلقائيًا إلى الحرب عند تعرض أحد الأطراف لأزمة. ويؤكد فيدان أن الالتزامات الواردة في الاتفاق عامة، وأن طبيعة المساعدة ستتحدد بحسب حجم التهديد وقرارات المؤسسات المشتركة، ويمكن أن تبدأ من تبادل المعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي والذخائر قبل أن تصل، في الحالات الأكثر تقدمًا، إلى الوحدات العسكرية. وتحمل هذه النقطة أهمية خاصة؛ لأنها تكشف محاولة أنقرة تجنب تفسير بند «الهجوم على دولة هجوم على الجميع» باعتباره التزامًا آليًا بالدخول في كل حرب يخوضها أحد الشركاء.

وشدد على أن أحد أكثر المحاور حضورًا في الإعلام هو التساؤل عما إذا كان الاتفاق يمثل إنشاء محور سني في مواجهة إيران، خصوصًا في ظل الصراع الإقليمي الحالي وعضوية السعودية فيه. إلا أن الخطاب الرسمي التركي يرفض هذه القراءة، فأنقرة تؤكد عدم وجود «تهديد مشترك» محدد في الاتفاق، وأن الدول التي لا تعتدي على أعضائه ليست مستهدفة. كما أشار فيدان صراحةً إلى أن إيران ليست هدفًا للاتفاق. والأهم أن فيدان كشف أن تركيا ناقشت رؤيتها للأمن الإقليمي مع الإيرانيين خلال مرحلة إعداد المشروع، وأن طهران يمكن أن تؤدي مستقبلًا دورًا في ترتيبات إقليمية أكثر اتساعًا إذا توافرت الظروف السياسية لذلك. وهذا يعني أن أنقرة تحاول إبقاء خط فاصل بين «الردع» و«الاستقطاب المذهبي»، حتى وإن كان المناخ السياسي المحيط بالاتفاق يسمح بقراءات مختلفة.

وأوضح أن القيادة التركية تحرص على نفي وجود تعارض بين اتفاق مكة والتزاماتها داخل الناتو. ويعكس ذلك سعي أنقرة إلى تبني سياسة «تعدد المظلات الأمنية» بدلًا من استبدال مظلة بأخرى. فالهدف التركي ليس الانسحاب من المنظومة الغربية لصالح منظومة إسلامية، وإنما إضافة دائرة أمنية جديدة إلى دوائر الحركة التركية الممتدة من الناتو وأوروبا إلى الشرق الأوسط والقوقاز والبحر الأسود وآسيا الوسطى. وتكشف تصريحات فيدان عن رؤية أبعد، تتصور إمكانية تحقيق نوع من المواءمة على المدى المتوسط والطويل بين هندسة الأمن الأوروبية وهندسة الأمن الشرق أوسطية عبر تركيا. وهنا تبرز تركيا في تصورها الذاتي ليس مجرد عضو داخل تحالفين، وإنما «دولة وصل» بين بنيتين أمنيتين.