النهار
جريدة النهار المصرية

اقتصاد

مصر وعُمان.. من التبادل التجاري إلى شراكة صناعية نحو الأسواق العالمية

محمد الأطروش -

20 رجل أعمال عُماني في القاهرة يبحثون فرص الاستثمار الصناعي المشترك

تتحرك العلاقات الاقتصادية بين مصر وسلطنة عُمان نحو مرحلة جديدة، تتجاوز النمو التقليدي في حركة التجارة إلى بناء شراكات استثمارية وصناعية مشتركة، تستفيد من المزايا النسبية للبلدين وتستهدف أسواقًا إقليمية وعالمية تتجاوز السوقين المصري والعُماني.

وجاء ذلك خلال ملتقى الاستثمار في القطاع الصناعي، الذي نظمته سفارة سلطنة عُمان بالقاهرة بالتعاون مع غرفة تجارة وصناعة عُمان ووزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، بمشاركة وفد عُماني يضم أكثر من 20 رجل أعمال، إلى جانب ممثلين عن جهات حكومية وقطاعات الصناعة واللوجستيات والقطاع الطبي والتطوير العقاري.

وشملت مجالات الاستثمار المطروحة الألمنيوم والنسيج والبلاستيك والصناعات الغذائية والدوائية والزراعة والأمن الغذائي والتطوير العقاري، بما يعكس تنوع فرص التكامل بين القطاع الخاص في البلدين.

أكد السفير عبد الله بن ناصر الرحبي، سفير سلطنة عُمان لدى القاهرة ومندوبها الدائم لدى جامعة الدول العربية، أن العلاقات الاقتصادية بين مصر وسلطنة عُمان شهدت تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بالإرادة السياسية وتكثيف اللقاءات الرسمية، إلى جانب تنامي اهتمام القطاع الخاص في البلدين باستكشاف فرص الاستثمار والتعاون.

وقال إن الإمكانات الاقتصادية للبلدين تتجاوز بكثير الأرقام الحالية، مشيرًا إلى أن قطاعات الصناعة والخدمات اللوجستية والأمن الغذائي والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والسياحة والاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا والرعاية الصحية والتعليم، تتيح فرصًا واسعة لإقامة شراكات نوعية تمتد آثارها لعقود مقبلة.

وأوضح الرحبي أن سلطنة عُمان تتمتع بمقومات استراتيجية تؤهلها لتكون مركزًا لوجستيًا يربط الشرق بالغرب، مستفيدة من موقعها المطل على المحيط الهندي وبحر العرب، وموانئها الحديثة في صحار والدقم وصلالة، إلى جانب المناطق الاقتصادية المتطورة.

وفي المقابل، تمثل مصر، بحسب الرحبي، «بوابة طبيعية» للأسواق الأفريقية والمتوسطية والأوروبية، مستندة إلى ثقلها الاقتصادي والبشري، وقناة السويس باعتبارها شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية، فضلًا عن التطور الكبير في البنية الأساسية والمناطق الاقتصادية.

وأشار إلى أن البلدين قادران على بناء «جسر اقتصادي عربي» يمتد من المحيط الهندي إلى البحر المتوسط، ويربط الخليج بشرق أفريقيا وأوروبا عبر منظومة متكاملة من سلاسل الإمداد والموانئ والمناطق الاقتصادية والاستثمارات المشتركة.

وتطرق إلى فرص التكامل بين المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وميناء صحار، معتبرًا أن هذا التكامل يمثل فرصة عملية لإقامة شراكات صناعية ولوجستية ذات قيمة مضافة، وتعزيز القدرة التنافسية للبلدين وفتح آفاق أوسع للوصول إلى الأسواق العالمية.

ودعا الرحبي إلى الانتقال من مفهوم التبادل التجاري إلى التكامل الاقتصادي، ومن تصدير السلع إلى إقامة صناعات مشتركة، ومن المنافسة على الأسواق إلى التعاون في الوصول إليها، مؤكدًا أن القطاع الخاص يمثل المحرك الحقيقي للنمو الاقتصادي والشريك الأساسي في تنفيذ الرؤى الوطنية.

وشدد على أهمية توفير بيئة تشريعية وتنظيمية تمنح المستثمر الثقة، وتسهل انتقال رؤوس الأموال، وتشجع الابتكار، وتعزز الشراكات بين مؤسسات الأعمال في البلدين.

كما أكد أن نجاح الملتقى لا يجب أن يقتصر على تبادل الرؤى، وإنما يقاس بما يسفر عنه من استثمارات ومشروعات وفرص عمل وقيمة مضافة للاقتصادين المصري والعُماني.

وأكد المهندس سعيد بن علي العبري، رئيس مجلس إدارة فرع غرفة تجارة وصناعة عُمان بمحافظة شمال الباطنة، أن مصر وسلطنة عُمان تسعيان للبناء على العلاقات التاريخية والطيبة التي تجمع البلدين، وتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري بما يحقق مصالح رجال الأعمال والشركات في الجانبين.

وقال إن وفد الغرفة إلى مصر يضم أكثر من 20 من رجال الأعمال، إلى جانب ممثلين عن عدد من الجهات الحكومية العُمانية، وقطاعات التطوير العقاري والقطاع الطبي واللوجستي والصناعي.

وأوضح أن الهدف الأساسي من الزيارة يتمثل في استثمار العلاقات المتميزة بين البلدين والميزات النسبية التي يتمتع بها كل منهما، والعمل على بناء شراكات حقيقية تعود بالنفع على الشركات ورجال الأعمال في مصر وسلطنة عُمان.

وأشار إلى أن سلطنة عُمان، في إطار «رؤية عُمان 2040»، تعمل على دعم القطاع الخاص وجذب الاستثمارات الأجنبية من خلال تطوير القوانين والتشريعات وتحسين بيئة الأعمال، بما يجعلها أكثر جاذبية للاستثمار.

ولفت إلى أن السلطنة تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي وبنية أساسية متطورة، خاصة في مجالات الموانئ والمناطق الاقتصادية، ومن أبرزها المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم والمنطقة الاقتصادية في صحار، إلى جانب المناطق الاقتصادية في صلالة.

وأضاف أن موقع عدد من هذه المناطق على بحر العرب وبحر عُمان، وخارج مضيق هرمز، يمنحها ميزة مهمة في الوصول إلى الأسواق وتعزيز استقرار سلاسل الإمداد، بما يوفر فرصًا كبيرة للمستثمرين الراغبين في الوصول إلى الأسواق الإقليمية والدولية.

وأشار العبري إلى أن سلطنة عُمان تستفيد كذلك من شبكة واسعة من الاتفاقيات والشراكات الاقتصادية والتجارية، سواء مع دول مجلس التعاون أو الدول العربية، إلى جانب اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة واتفاقية التجارة الحرة مع الهند، بما يعزز قدرة الشركات العاملة في السلطنة على التوسع إقليميًا ودوليًا.

وأكد أن الموقع المتميز لمصر وسلطنة عُمان يمنحهما ميزة تنافسية للمشاركة في سلاسل القيمة المضافة عالميًا، موضحًا أن ارتباط السلطنة بعلاقات واتفاقيات تجارية مع دول شرق آسيا، بالتوازي مع العلاقات المصرية القوية مع دول القارة الأفريقية، يفتح آفاقًا جديدة أمام الشراكة الاستثمارية بين البلدين.

وشدد على أن التعاون المصري العُماني لا ينبغي أن يقتصر على زيادة حجم التبادل التجاري، وإنما يجب أن يمتد إلى إقامة مشروعات واستثمارات وشراكات طويلة الأمد بين القطاع الخاص في البلدين.

وأكد محمد بشنفر، رئيس لجنة التعاون العربي باتحاد الصناعات المصرية وعضو مجلس إدارة غرفة الصناعات الغذائية، أهمية تجاوز الأهداف التقليدية للتعاون الاقتصادي، والعمل على خلق فرص استثمارية تخدم الأسواق العالمية، وليس الاقتصار على السوقين المصري والعُماني.

كما أشار الي أهمية بناء استراتيجية مشتركة تستند إلى رؤية مصر 2030 ورؤية عُمان 2040، مع التركيز على الصناعة وتعزيز القيمة المضافة بدلًا من الاعتماد على النشاط الصناعي في صورته التقليدية فقط.

وأوضح أن الدور الرئيسي للاتحاد يتمثل في تذليل العقبات التي تواجه القطاع الصناعي والمستثمرين، مشددًا على أن رجال الأعمال يقع عليهم الدور الأكبر في تعزيز التعاون الاقتصادي بين مصر وسلطنة عُمان.

وأعرب عن استعداد اتحاد الصناعات للمساهمة في حل العقبات التي تواجه المستثمرين والصناعة من الجانب المصري، بما يدعم إقامة شراكات واستثمارات جديدة بين مجتمعَي الأعمال في البلدين.

وتكشف هذه التصريحات عن تحول واضح في طبيعة الرؤية المصرية والعُمانية للتعاون الاقتصادي، من مجرد زيادة حركة التجارة إلى بناء شراكة صناعية تستفيد من موقع وإمكانات كل دولة للوصول إلى أسواق ثالثة.

فمصر تمتلك قاعدة صناعية كبيرة وسوقًا محلية واسعة وبنية أساسية متطورة، إلى جانب موقعها كبوابة للأسواق الأفريقية والعربية والمتوسطية، بينما تمتلك سلطنة عُمان موانئ ومناطق اقتصادية استراتيجية وشبكة من الاتفاقيات التجارية التي تعزز قدرتها على النفاذ إلى أسواق الخليج وآسيا.

وتمنح هذه المعادلة المشروعات المصرية العُمانية المشتركة فرصة للعمل بمنطق "الإنتاج من أجل التصدير" بدلًا من الاقتصار على تلبية احتياجات السوق المحلية في أي من البلدين.

ويرى خبراء أن التحدي الرئيسي يبقى في تحويل الفرص التي جرى استعراضها خلال الملتقى إلى مشروعات صناعية محددة، خاصة في قطاعات الغذاء والدواء والبلاستيك والنسيج والألمنيوم واللوجستيات.

ومن ثم، فإن نجاح الشراكة خلال المرحلة المقبلة لن يقاس بعدد اللقاءات أو الاتفاقيات، وإنما بقدرتها على جذب استثمارات فعلية، وتأسيس مشروعات مشتركة، وزيادة الصادرات، وخلق فرص عمل، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية والعُمانية.