النهار
جريدة النهار المصرية

اقتصاد

خفض 50% من مقابل خدمات الأوراق المالية الخضراء والمستدامة.. ماذا يعني لسوق المال؟

د.داليا السواح
محمد الأطروش -

داليا السواح لـ"النهار": القرار يعزز من تنافسية سوق المال المصري ويحوّل البعد البيئي من التزام إلى مصدر للتمويل

رئيس الرقابة المالية: نوسع دور سوق المال في تمويل التنمية المستدامة

في خطوة تستهدف تحويل التمويل المستدام من توجه تنظيمي إلى أداة أكثر حضورًا في سوق رأس المال، قررت الهيئة العامة للرقابة المالية خفض مقابل خدمات فحص ودراسة طلبات طرح الأوراق المالية المرتبطة بالتنمية المستدامة بنسبة 50%، سواء عند الطرح العام أو الخاص.

ويحمل القرار دلالة اقتصادية تتجاوز مجرد تخفيض رسوم الخدمات، إذ يستهدف تقليل أحد مكونات تكلفة اللجوء إلى سوق رأس المال أمام الشركات الراغبة في تمويل مشروعات ذات أهداف بيئية أو اجتماعية، وخلق حافز إضافي لاستخدام أدوات التمويل المستدام بدلًا من الاقتصار على أدوات التمويل التقليدية.

ويأتي القرار في وقت تتزايد فيه احتياجات الشركات إلى تمويل الاستثمارات المرتبطة بخفض الانبعاثات، وتحسين كفاءة الطاقة، وتقليل التلوث، والتكيف مع المتطلبات البيئية للأسواق العالمية، بما يجعل التمويل المستدام جزءًا متزايد الأهمية من تنافسية الشركات المصرية.

لا يقتصر التخفيض على السندات الخضراء التي تستفيد من تخفيض مقابل الخدمات منذ عام 2019، وإنما يشمل مجموعة أوسع من الأوراق المالية المرتبطة بالتنمية المستدامة، وفقًا للتعديلات الحديثة على اللائحة التنفيذية لقانون سوق رأس المال.

وتضم القائمة سندات التنمية المستدامة، والسندات المرتبطة بها، والسندات ذات البعد الاجتماعي، وسندات تمكين المرأة، وسندات المناخ، والسندات الانتقالية التي تستهدف تمويل خفض الانبعاثات في الأنشطة القائمة الملوثة للبيئة.

ويعني توسيع نطاق الأدوات المستفيدة أن الهيئة لا تستهدف فقط تمويل مشروعات خضراء جديدة، وإنما تفتح المجال أمام الشركات القائمة لتمويل عملية التحول التدريجي في أنشطتها.

وتبرز أهمية السندات الانتقالية بصفة خاصة للقطاع الصناعي، إذ يمكن أن توفر إطارًا تمويليًا لمشروعات تستهدف خفض استهلاك الطاقة والانبعاثات وتحسين كفاءة الإنتاج، حتى في الحالات التي لا يمكن فيها تحويل النشاط بالكامل إلى نشاط منخفض الكربون في الأجل القصير.

يمثل خفض مقابل خدمات الفحص والدراسة بنسبة 50% حافزًا مباشرًا للشركات التي تدرس إصدار سندات مستدامة، إذ يؤدي إلى تقليل جزء من التكلفة المرتبطة بعملية الطرح.

ورغم أن هذا التخفيض لا يمثل التكلفة الكاملة للإصدار، فإنه يخفض أحد الأعباء التنظيمية المرتبطة بدخول السوق، بما قد يحسن اقتصاديات بعض الإصدارات، خصوصًا عندما تكون الشركات أمام مشروعات تحتاج إلى تمويل متوسط أو طويل الأجل.

وتزداد أهمية ذلك بالنسبة للشركات التي تبحث عن تنويع مصادر التمويل وعدم الاعتماد بصورة كاملة على التمويل المصرفي، حيث تتيح سوق رأس المال أدوات دين يمكن توجيه حصيلتها إلى مشروعات محددة ذات أهداف بيئية أو اجتماعية واضحة.

وبذلك، يمكن النظر إلى القرار باعتباره جزءًا من سياسة أوسع لتوسيع قاعدة الشركات المستخدمة لسوق رأس المال، وليس مجرد إجراء لخفض رسوم خدمة تنظيمية.

قد يكون القطاع الصناعي من أبرز القطاعات التي يمكن أن تستفيد من التوسع في أدوات التمويل المستدام، خاصة مع ارتفاع أهمية الاستثمار في كفاءة الطاقة وخفض الانبعاثات وتقليل استخدام الموارد.

فالمصانع القائمة تحتاج إلى استثمارات مستمرة لتحديث خطوط الإنتاج، واستبدال المعدات الأكثر استهلاكًا للطاقة، واستخدام تكنولوجيات أكثر كفاءة، إلى جانب معالجة المخلفات وتقليل الانبعاثات الناتجة عن العمليات الصناعية.

وفي حال تم تمويل هذه الاستثمارات عبر سندات انتقالية أو سندات مناخية، يمكن للشركات أن تربط بين احتياجاتها الاستثمارية وبرامج التحول البيئي، بدلًا من اعتبار الالتزام بالمعايير البيئية تكلفة إضافية فقط.

ويمتد الأثر المحتمل إلى الشركات المصدرة، التي تواجه بدورها متطلبات بيئية متزايدة في الأسواق الخارجية، ما يجعل الاستثمار في خفض الانبعاثات وكفاءة الإنتاج عاملًا مرتبطًا بالحفاظ على القدرة التنافسية والنفاذ إلى الأسواق.

وتعليقًا على القرار، أكدت الدكتورة داليا السواح، عضو الجمعية المصرية للمحللين الفنيين، ونائب رئيس لجنة المشروعات الصغيرة والمتوسطة بجمعية رجال الأعمال المصريين، أن خفض مقابل خدمات طرح السندات الخضراء والأوراق المالية المرتبطة بالتنمية المستدامة بنسبة 50% يمثل رسالة مهمة من جانب الهيئة العامة للرقابة المالية، تعكس توجهًا واضحًا نحو ربط التمويل بالأثر التنموي وتشجيع الشركات على توظيف أدوات سوق رأس المال في تمويل مشروعات ذات مردود بيئي واجتماعي.

وأضافت في تصريح خاص لـ "النهار"، أن القرار يمكن أن يمثل مصدر إلهام للشركات العاملة في قطاعات متنوعة، خاصة الطاقة المتجددة والنقل النظيف والصناعة، لتحويل البعد البيئي من مجرد التزام تنظيمي أو تكلفة إضافية إلى مصدر للتمويل والاستثمار، بما يدعم قدرة الشركات على تنفيذ مشروعات التحول الأخضر وتحسين كفاءة استخدام الموارد.

وأوضحت السواح أن توسيع نطاق الأدوات المالية المرتبطة بالتنمية المستدامة، بالتوازي مع خفض تكلفة الخدمات المرتبطة بطرحها، يعزز من تنافسية سوق المال المصرية مقارنة بالأسواق العالمية، خاصة مع تنوع الأدوات المتاحة أمام الشركات والمستثمرين، بما يسمح بتلبية احتياجات تمويلية واستثمارية مختلفة.

وأشارت إلى أن أهمية القرار لا تتوقف عند خفض تكلفة الإصدار، وإنما تمتد إلى دعم بناء سوق أكثر تنوعًا للتمويل المستدام، من خلال زيادة قدرة الشركات على الوصول إلى أدوات تمويل جديدة، وفي المقابل إتاحة فرص استثمارية أمام المستثمرين الراغبين في توجيه أموالهم إلى مشروعات تجمع بين العائد المالي والأثر البيئي والاجتماعي.

ولا يرتبط نجاح هذه الأدوات بجانب العرض فقط، وإنما بوجود طلب استثماري عليها أيضًا.

فالتوسع في الأوراق المالية المستدامة يمنح المستثمرين خيارات جديدة لتوجيه أموالهم إلى مشروعات تحقق عائدًا ماليًا، إلى جانب مساهمتها في أهداف بيئية أو اجتماعية محددة، وبالتالي يساعد القرار في تطوير سوق محلية للتمويل المستدام، عبر زيادة عدد الإصدارات وتنوعها، وهو ما يخلق مع مرور الوقت سجلًا أكبر من المنتجات المالية التي يمكن للمستثمرين والمؤسسات المالية تقييمها والمقارنة بينها.

كما أن تنوع الأدوات، من السندات الخضراء إلى سندات المناخ والتنمية المستدامة والسندات الاجتماعية والانتقالية، يسمح بتوجيه التمويل إلى شرائح مختلفة من المشروعات بدلًا من حصره في مشروعات الطاقة النظيفة فقط.

وقال الدكتور إسلام عزام، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، إن القرار يتسق مع التعديلات الحديثة على اللائحة التنفيذية لقانون سوق رأس المال الداعمة للأوراق المالية المرتبطة بالتنمية المستدامة.

وأكد أن الهيئة تستهدف دعم المشروعات المرتبطة بأهداف اجتماعية وبيئية كبرى، وتعظيم إسهام الأنشطة المالية غير المصرفية في تحسين جودة الحياة وتحقيق التنمية المستدامة.

وتشمل مجالات استخدام حصيلة هذه الإصدارات المشروعات الخضراء، والمبادرات الداعمة لتمكين المرأة والمساواة بين الجنسين، والمشروعات الخافضة للانبعاثات الكربونية، ومشروعات الحد من التلوث وانبعاثات الغازات الضارة، والحد من تلوث المياه، وترشيد استهلاك الطاقة.

ورغم أهمية خفض التكلفة، فإن التحدي الحقيقي بعد القرار لا يرتبط فقط بالرسوم، وإنما بقدرة الشركات على الاستفادة من الحافز الجديد وتحويل احتياجاتها الاستثمارية إلى مشروعات مؤهلة للتمويل المستدام، مع وجود معايير واضحة للقياس والإفصاح عن الأثر البيئي والاجتماعي.

ومن ثم، فإن خفض مقابل الخدمات بنسبة 50% يمثل خطوة في جانب العرض التنظيمي، بينما يحتاج نمو السوق إلى توافر مشروعات قابلة للتمويل، ومؤسسات قادرة على هيكلة الإصدارات، ومستثمرين لديهم شهية لهذه المنتجات.

كما أن زيادة عدد الإصدارات وتنوعها ستكون عنصرًا مهمًا في بناء خبرة محلية بالسوق، وتحسين قدرة المستثمرين على تقييم مخاطر وعوائد الأدوات المستدامة، بما يدعم تحولها تدريجيًا من أدوات متخصصة إلى جزء أكثر حضورًا من سوق رأس المال.

وبحسب الخبراء، تضع الرقابة المالية بهذا القرار حافزًا جديدًا أمام الشركات لدخول سوق التمويل المستدام، فيما يبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذا الحافز إلى إصدارات فعلية واستثمارات جديدة، خصوصًا في القطاعات الصناعية والإنتاجية الأكثر احتياجًا إلى تمويل التحول الأخضر.

فالقرار لا يخفض رسومًا فحسب، وإنما يستهدف تقليل تكلفة الطريق إلى التمويل المستدام، وفتح مساحة أكبر أمام سوق رأس المال للقيام بدور في تمويل التحول البيئي والاجتماعي للاقتصاد المصري.