إنعاش «دينامو المشاريع».. ملامح الخطة الحكومية لتطوير بنك الاستثمار القومي وسداد ديونه

في خطوة استراتيجية تعكس إصرار الدولة المصرية على تعظيم الاستفادة من أصولها ومؤسساتها التمويلية، شهدت الأيام الماضية تحركات حكومية مكثفة لإعادة هيكلة بنك الاستثمار القومي وتعزيز مركزه المالي.
وتأتي هذه التحركات تنفيذاً لتوجيهات القيادة السياسية بضرورة تطوير البنك باعتباره أحد الأذرع التنموية الرئيسية لتحقيق رؤية مصر المستدامة، وتأسيس انطلاقة جديدة لدوره الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.
تسويات تاريخية وحوكمة رقمية
نجحت الحكومة في إبرام تسويات شاملة لمديونيات تاريخية استمرت لما يقرب من نصف قرن، حيث تم فض تشابكات مالية خاصة بالبنك بقيمة إجمالية بلغت 196 مليار جنيه، وشملت هذه التسويات مديونيات مع جهات حيوية مثل شركات مياه الشرب والصرف الصحي وهيئة التعمير الزراعي، مما يرفع العبء المالي عن كاهل البنك ويعزز قدرته على تمويل المشروعات القومية.
بالتوازي مع الإصلاح المالي، تعمل الدولة على مشروع ربط إلكتروني شامل يجمع بين وزارتي التخطيط والتنمية الاقتصادية، والمالية، وبنك الاستثمار القومي، يهدف هذا المشروع إلى المتابعة اللحظية الدقيقة لصرف مخصصات الاستثمارات العامة، ورفع كفاءة الإنفاق الاستثماري، بما يضمن التطبيق الأمثل لمنظومة "موازنة البرامج والأداء".
وتوجت هذه الجهود بحصول البنك على شهادة الجودة الدولية (ISO 9001:2015) في مجال الخدمات المالية للاستثمارات القومية دون تسجيل أي مخالفات.
"سمنود للنسيج".. نموذج لإنقاذ القلاع الصناعية
ولم تقتصر خطة الإصلاح على الشق المالي فقط، بل امتدت لتشمل الشركات التابعة للبنك، وتعد تجربة إعادة شركة "سمنود للنسيج والوبريات" – التي يمتلك البنك 52% من أسهمها – إلى مسار الإنتاج، نموذجاً حياً لنجاح هذه السياسة، فبعد سنوات من التعثر والتوقف التام، ضخ البنك تمويلات جديدة لشركة سمنود للنسيج تجاوزت 74 مليون جنيه لتوفير رأس المال العامل، وتحديث خطوط الإنتاج وتنوعها.
واعتمدت خطة تعافي الشركة على العنصر البشري والحفاظ على حقوق العاملين في مقدمة أولوياتها، باعتبارهم الركيزة الأساسية للعملية الإنتاجية والقدرة التنافسية، مما مكن الشركة من الوفاء بالتزاماتها من واقع إيراداتها الفعلية.
كيف تستفيد الدولة من قدرات البنك المستقبلية؟
تستطيع الدولة تعظيم الاستفادة من المؤشرات الإيجابية للبنك بعد هيكلته عبر تحويله إلى ممول رئيسي لمشروعات البنية التحتية الخضراء، مثل مشروعات الطاقة المتجددة ومحطات تحلية المياه والنقل المستدام، وهو ما يقلل بشكل مباشر من الاعتماد على القروض والتمويلات الخارجية لتدبير هذه المشروعات الحيوية.
كما يمثل البنك أداة مثالية لتعزيز شراكات القطاع الخاص من خلال الدخول في مشروعات مشتركة تدعم دور الدولة التنموي وتجذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، لا سيما في قطاعي الصحة والتعليم، مما يخفف العبء التمويلي عن الموازنة العامة للدولة ويضمن جودة الخدمات المقدمة.
ويمتد الدور الاستراتيجي للبنك إلى دعم الميزان التجاري عبر التركيز على تمويل الصناعات التحويلية والتصديرية وتطوير الشركات التابعة له، مما يسهم في تعميق التصنيع المحلي وتقليل الفاتورة الاستيرادية، بالتوازي مع توجيه الاستثمارات نحو المحافظات الأكثر احتياجاً لتوليد فرص عمل لأبناء الأقاليم وتحقيق التنمية المتوازنة.
إن المزيج بين فض التشابكات المالية، والتحول الرقمي، وإحياء القلاع الصناعية المتعثرة، يضع بنك الاستثمار القومي على أعتاب مرحلة جديدة، ليكون المحرك المالي الأول لخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدولة المصرية.

