النهار
جريدة النهار المصرية

اقتصاد

اقتصاد الـ ٩٠ دقيقة: كيف حوّل الفراعنة شباك المونديال إلى شلال دولارات؟

فاطمة نشأت -
لم تعد كرة القدم مجرد لعبة تلهب حماس الجماهير في المدرجات، بل تحولت إلى صناعة ثقيلة قادرة على تحريك الركود وضخ العملة الصعبة في شرايين الاقتصاد القومي، المسيرة التاريخية غير المسبوقة لمنتخب مصر في كأس العالم ٢٠٢٦، والوصول الأسطوري إلى دور الـ١٦ قبل الخروج المشرف.
لم تكن مجرد نصر رياضي أسعد الملايين، بل تحولت إلى صفقة استثمارية رابحة أنعشت الخزينة العامة وحركت أسواق التجزئة من الإسكندرية إلى أسوان لتعيد صياغة مفهوم الاستثمار الرياضي في مصر.
عوائد الفيفا المباشرة وإنعاش خزينة الدولة
خلف الأداء البطولي للاعبي المنتخب على المستطيل الأخضر كانت لغة المال تتحدث بجرأة وثقة، حيث حصدت مصر مكاسب مالية هي الأكبر في تاريخ كرتها بفضل الجوائز الرسمية المعتمدة من الاتحاد الدولي لكرة القدم.
ضخ الفيفا ما يقرب من ٢٧.٥ مليون دولار (ما يعادل نحو ١.٣٥ مليار جنيه) دخلت رسمياً خزينة الاتحاد المصري لكرة القدم، يتوزع هذا المبلغ بين ١٠ ملايين دولار مكافأة المشاركة الأساسية، و٢.٥ مليون دولار نفقات الإعداد، بالإضافة إلى الجائزة الكبرى البالغة ١٥ مليون دولار نظير اقتناص بطاقة التأهل التاريخية لدور الـ١٦، مما يمنح الإدارة الرياضية فرصة ذهبية لإعادة استثمار هذه التدفقات في تطوير البنية التحتية والملاعب.
البورصة الاستهلاكية وتوهج اقتصاد الشارع المصري
بعيدا عن الأرقام الرسمية والحسابات البنكية المغلقة، فإن اقتصاد الشارع كان المستفيد الأسرع والأكثر تفاعلاً مع حمى المونديال، إذ شهدت الأسواق المحلية طفرة استهلاكية قوية حركت مبيعات قطاعات راكدة منذ أشهر.
سجلت المقاهي ومناطق المشجعين بجميع المحافظات نسب إشغال كاملة أوقات المباريات مما ضاعف أرباح قطاع الضيافة، وتزامن ذلك مع انتعاش قياسي في محلات الملابس والأدوات الرياضية التي تسابقت لتلبية الطلب الجنوني على قمصان وأعلام المنتخب، فضلاً عن القفزة الهائلة التي سجلتها منصات التوصيل الذكي والتجارة الإلكترونية مع تدفق آلاف الطلبات المنزلية للوجبات السريعة قبل وبعد صافرة البداية.
اشتعال بورصة اللاعبين وإعادة تسعير الأصول الكروية
يكمن المكسب الأكبر والأكثر استدامة الذي أفرزه مونديال أمريكا الشمالية في إعادة تسعير اللاعب المصري عالمياً ووضعه تحت رادارات الأندية الأوروبية والخليجية الكبرى بعد فترات من الغياب، حيث تسببت البطولة في قفزة جنونية للقيم السوقية لنجوم القوام المحلي الذين تلقوا عروضاً رسمية بملايين الدولارات عقب نهاية المنافسات.
ويضمن ذلك تدفقاً مستقبلياً مستداماً من النقد الأجنبي إلى داخل البلاد عبر تحويلات هؤلاء المحترفين وصياغة عقودهم، لتتحول المواهب الكروية إلى ذراع تصديرية استراتيجية تدعم الاحتياطي النقدي للبلاد تماماً كأي قطاع إنتاجي آخر.
رؤية استراتيجية لربط الرياضة بالناتج المحلي
تتجاوز العوائد اللحظية للمونديال مجرد الاحتفالات المؤقتة، لتتشابك بوضوح مع الرؤية الطموحة للدولة المصرية التي تستهدف رسمياً رفع مساهمة القطاع الرياضي إلى ٣% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات المقبلة.
ومنحت هذه المشاركة المشرفة مصر طاقة هائلة من القوة الناعمة التي تصدرت وسائل الإعلام العالمية لتروج بطريقة غير مباشرة للسياحة والاستقرار الأمني، وتفتح الباب مجدداً لتسريع خطط الدولة في بناء منشآت رياضية عملاقة قادرة على منافسة الملفات العالمية لاستضافة البطولات الكبرى، وتحويل هذا الزخم الكروي إلى نمو مستدام لا ينتهي بنهاية التسعين دقيقة.