العويوي لـ”النهار”: إصلاح النظام السياسي الفلسطيني بات شرطًا لتعزيز الحضور ومواجهة التحولات الإقليمية

أكد الأكاديمي والباحث السياسي الفلسطيني الدكتور أسعد العويوي، أن القضية الفلسطينية تقف أمام مرحلة مفصلية تتطلب مراجعة شاملة لأداء النظام السياسي، في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعيد رسم أولويات الشرق الأوسط وتفرض تحديات جديدة على مختلف الفاعلين الإقليميين والدوليين. ورأى أن استمرار الحضور القانوني والأخلاقي للقضية الفلسطينية على الساحة الدولية لا يكفي وحده، إذا لم يقترن بوجود مؤسسات سياسية قادرة على تحويل هذا الرصيد إلى نفوذ سياسي فاعل يخدم المصالح الوطنية الفلسطينية.
وأوضح العويوي، في تصريحات لـ"النهار" أن التحدي الذي يواجه الفلسطينيين لم يعد يقتصر على إدارة الصراع مع الاحتلال أو التعامل مع الأزمات الاقتصادية والإنسانية، بل أصبح يرتبط بقدرة البنية السياسية الحالية على مواكبة المتغيرات الداخلية والخارجية، ومدى استعدادها لإجراء إصلاحات تعزز الثقة الشعبية وترفع كفاءة المؤسسات في إدارة المرحلة المقبلة.
وأشار العويوي إلى أن الحركة الوطنية الفلسطينية استطاعت عبر محطات تاريخية مختلفة إعادة صياغة أدواتها السياسية بما يتناسب مع طبيعة كل مرحلة، إلا أن التحديات الراهنة تختلف من حيث ارتباطها بالحفاظ على التماسك الداخلي، وتعزيز المشاركة السياسية، وتحسين الحوكمة، في ظل بيئة إقليمية تشهد تغيرات متسارعة وتزايدًا في تأثير القوى الإقليمية والدولية على مسار القضية الفلسطينية.
تحديات الداخل الفلسطيني
ولفت الباحث الفلسطيني إلى أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة التي يعيشها المجتمع الفلسطيني، إلى جانب تداعيات الصراع المستمر، أسهمت في توسيع النقاش حول ضرورة تطوير الأداء المؤسسي، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وتوسيع المشاركة في عملية صنع القرار، باعتبارها عناصر أساسية لإعادة بناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات الوطنية.
وبيّن أن تعزيز كفاءة المؤسسات الفلسطينية لم يعد مسألة داخلية فحسب، وإنما أصبح عاملًا مؤثرًا في طبيعة تفاعل المجتمع الدولي مع القضية الفلسطينية، في ظل تركيز المجتمع الدولي على قدرة الأنظمة السياسية على التكيف مع المتغيرات، وإدارة التعددية، وتحقيق الاستقرار المؤسسي، وهو ما يمنح الإصلاح المؤسسي بعدًا سياسيًا واستراتيجيًا يتجاوز الإطار المحلي.
وأضاف أن استمرار إدارة الأزمات اليومية دون معالجة الاختلالات البنيوية يرفع الكلفة السياسية والاجتماعية مع مرور الوقت، بينما تتيح الإصلاحات التدريجية فرصة لتعزيز الاستقرار الداخلي ورفع قدرة النظام السياسي على مواجهة التحديات المتراكمة.
خارطة الإصلاح المطلوبة
ورأى العويوي أن المرحلة الحالية تتطلب إطلاق مسار إصلاحي متكامل يبدأ بتطوير المؤسسات الوطنية بما يعزز الكفاءة والشفافية والمساءلة، إلى جانب توسيع المشاركة السياسية، وتجديد النخب، وإشراك الشباب والنساء بصورة أوسع في عملية صنع القرار، بما يواكب التحولات المجتمعية والسياسية.
وأكد أهمية تعزيز التنسيق بين مختلف مكونات النظام السياسي الفلسطيني بما يخدم المصلحة الوطنية المشتركة، والعمل على صياغة رؤية استراتيجية طويلة المدى تستوعب المتغيرات الإقليمية والدولية، وتحدد أولويات واضحة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما يضمن رفع كفاءة الأداء الوطني في مواجهة التحديات المقبلة.
كما شدد على أن الاستثمار في رأس المال البشري، والتعليم، والاقتصاد، يمثل أحد أهم مرتكزات الصمود الوطني، باعتباره يساهم في تعزيز قدرة المجتمع الفلسطيني على مواجهة الضغوط، ويدعم فرص التنمية والاستقرار على المدى البعيد.
نافذة الفرصة المتاحة
وأشار الأكاديمي الفلسطيني إلى أن المشهد، رغم تعقيداته، لا يخلو من فرص يمكن البناء عليها، مستندًا إلى التجربة التاريخية التي أظهرت قدرة المجتمع الفلسطيني على التكيف وإعادة البناء خلال مراحل مفصلية سابقة، فضلًا عن امتلاكه طاقات بشرية ومؤسسات أكاديمية ومهنية وحضورًا دوليًا يمكن توظيفه بصورة أكثر فاعلية إذا اقترن بإصلاحات تعزز الثقة الداخلية وترفع كفاءة المؤسسات.
وأوضح أن الحفاظ على الحقوق الوطنية الفلسطينية والسعي إلى تحقيقها يتطلب، إلى جانب الصمود، وجود مؤسسات قادرة على العمل بكفاءة، وحوار سياسي مسؤول، ورؤية استراتيجية تستشرف المستقبل بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات الراهنة، بما يعزز قدرة الفلسطينيين على التعامل مع بيئة إقليمية ودولية تزداد تعقيدًا.
واختتم العويوي بالتأكيد أن السؤال المركزي الذي يواجه الفلسطينيين اليوم لا يتعلق فقط بكيفية إدارة التحديات الحالية، وإنما بكيفية بناء نظام سياسي أكثر قدرة على تمثيل المجتمع، وأكثر استعدادًا للتفاعل مع التحولات المتسارعة في الإقليم والعالم، معتبرًا أن الإجابة عن هذا التحدي قد تشكل أحد العوامل الحاسمة في رسم ملامح المرحلة المقبلة وتعزيز قدرة الفلسطينيين على الدفاع عن حقوقهم الوطنية وتحقيق تطلعاتهم المستقبلية.

