النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

بكير أتاجان لـ”النهار”: سبتة تعود لواجهة الصراع الجيوسياسي وتربك حسابات أوروبا بذاكرة الإمبراطوريات والهجرة

إسبانيا أغلقت معبر بني أنصار الحدودي مع المغرب إثر محاولة عبور جماعية
عبدالرحمن كمال -

لم تعد مدينة سبتة مجرد نقطة حدودية متنازع عليها بين المغرب وإسبانيا، بل عادت إلى صدارة النقاشات السياسية والاستراتيجية الأوروبية بعد موجات العبور الجماعي الأخيرة، لتكشف مجددًا أن هذه المدينة الصغيرة ما زالت تؤدي دورًا يتجاوز مساحتها الجغرافية بكثير.

ويرى الباحث في شؤون الشرق الأوسط الدكتور بكير أتاجان أن سبتة كانت عبر التاريخ نقطة ارتكاز أعادت تشكيل موازين القوى الدولية، وأن التطورات الحالية تعيد إنتاج هذه الحقيقة ولكن بأدوات مختلفة، حيث أصبحت الهجرة والأمن والسيادة هي العناوين الجديدة للصراع.

ويشير أتاجان، في تصريحات لـ"النهار"، إلى أن الأحداث الأخيرة في سبتة ومليلية، التي تصدرت وسائل الإعلام العالمية وأثارت نقاشًا واسعًا داخل الاتحاد الأوروبي، لا يمكن قراءتها باعتبارها أزمة حدودية عابرة، بل باعتبارها انعكاسًا لتحولات أعمق تمس مستقبل العلاقة بين أوروبا وجوارها الجنوبي. فالمشهد، بحسب رؤيته، لا يتعلق فقط بمحاولات عبور آلاف المهاجرين، وإنما يكشف هشاشة منظومة إدارة الحدود الأوروبية، ويعيد فتح ملفات السيادة والتعاون الأمني والهجرة في آن واحد.

ويؤكد أن القيمة الاستراتيجية لسبتة لا ترتبط بحجمها، وإنما بموقعها الجغرافي الذي جعلها على امتداد القرون نقطة تحول في التاريخ الدولي. فكما كانت بوابة انطلاق أوروبا نحو بناء إمبراطورياتها البحرية، أصبحت اليوم إحدى أهم بوابات الضغط على الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يمنحها وزنًا سياسيًا واستراتيجيًا يتجاوز حدودها المحلية.

بوابة الإمبراطوريات الأوروبية

ويستعيد الباحث الخلفية التاريخية للمدينة، موضحًا أن عام 1415 شكّل نقطة تحول مفصلية عندما سيطر البرتغاليون على سبتة في عهد الأمير هنري الملاح، وهو الحدث الذي يعده كثير من المؤرخين البداية العملية لعصر الاستكشافات الأوروبية. فمن هذه المدينة بدأت البرتغال مشروعها البحري العالمي، قبل أن تمتد حملاتها إلى السواحل الإفريقية، ثم إلى رأس الرجاء الصالح، وصولًا إلى الهند، في تحول غيّر بنية التجارة الدولية.

ويضيف أن السيطرة على سبتة لم تكن مجرد انتصار عسكري، بل مثلت انطلاقة مشروع استراتيجي طويل الأمد نقل مركز الثقل الاقتصادي العالمي تدريجيًا من البحر المتوسط إلى المحيطات، منهيةً الاحتكار التاريخي لطرق التجارة الشرقية، ومفسحة المجال أمام أوروبا للدخول في مرحلة صعود اقتصادي وسياسي غير مسبوق، في مقابل تراجع النفوذ التجاري للعالم الإسلامي.

كما يربط أتاجان بين هذه التحولات وبين التطورات العسكرية اللاحقة، وعلى رأسها معركة ديو البحرية، التي كرست التفوق البرتغالي في المحيط الهندي، ومهدت لتمدد النفوذ الأوروبي نحو الخليج العربي والبحر الأحمر، قبل أن تتولى الدولة العثمانية لاحقًا مهمة إعادة قدر من التوازن في مواجهة هذا التوسع، بعد سقوط دولة المماليك.

الهجرة تقلب المعادلة

ويشير الباحث إلى أن المفارقة التاريخية تتمثل في أن المدينة التي كانت قبل ستة قرون بوابة أوروبا للخروج نحو العالم، تحولت اليوم إلى إحدى أبرز بوابات العالم للدخول إلى أوروبا. ويرى أن موجات الهجرة غير النظامية التي تشهدها سبتة ومليلية لا تمثل أزمة أمنية فحسب، بل تعكس اختلالات هيكلية متراكمة في الضفة الجنوبية للمتوسط، تشمل البطالة، والأزمات الاقتصادية، وضعف التنمية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى جانب نشاط شبكات تهريب البشر.

وفي المقابل، تواجه أوروبا، بحسب أتاجان، تحديات متزايدة في إدارة هذه الظاهرة، إذ تتداخل اعتبارات حماية الحدود مع التزاماتها الإنسانية، فضلًا عن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وصعود التيارات الشعبوية، واتساع الجدل حول سياسات اللجوء والهجرة. وهو ما يجعل سبتة نقطة اختبار مستمرة لقدرة الاتحاد الأوروبي على التوفيق بين مقتضيات الأمن ومتطلبات القانون الدولي.

ويرى أن التعامل مع الأزمة لا يمكن أن يقتصر على الإجراءات الأمنية، لأن معالجة نتائج الهجرة دون التصدي لأسبابها البنيوية لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بصورة متكررة، في ظل استمرار الفجوة التنموية بين ضفتي البحر المتوسط.

عقدة السيادة المتوسطية

ويؤكد أتاجان أن الوضع القانوني والسياسي لسبتة ومليلية يضاعف من حساسية المشهد، إذ تعتبرهما إسبانيا مدينتين تتمتعان بوضع إداري خاص ضمن أراضيها، بينما يتمسك المغرب بمطالبته بهما باعتبارهما جزءًا من أراضيه التاريخية. ويجعل هذا التباين، بحسب الباحث، المدينتين ساحة تتقاطع فيها ملفات السيادة والهجرة والتعاون الأمني والعلاقات الثنائية، إلى جانب ارتباطهما بالإطار الأوروبي الأوسع.

ويضيف أن سبتة ومليلية لم تعودا مجرد معبرين حدوديين، بل أصبحتا عنصرًا رئيسيًا في معادلة أمن غرب البحر المتوسط، لما تمثلانه من أهمية في حماية طرق الملاحة عبر مضيق جبل طارق، وتأمين خطوط الطاقة، وتعزيز التعاون الأوروبي مع دول شمال إفريقيا في مكافحة الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة والإرهاب.

ويخلص الباحث إلى أن المدينة تؤدي اليوم دورًا مشابهًا لما أدته في القرن الخامس عشر، وإن اختلفت الأدوات والسياقات. فكما أسهمت آنذاك في ولادة النظام العالمي الحديث عبر الاستكشافات البحرية، فإنها تقف اليوم في قلب تحولات قد تعيد رسم العلاقة بين أوروبا والعالم العربي وإفريقيا، في ظل تزايد ترابط ملفات الأمن والسيادة والهجرة والتنمية. ويرى أن الدرس الأبرز الذي تقدمه سبتة هو أن المدن الصغيرة قد تتحول في لحظات تاريخية معينة إلى مفاتيح لفهم التحولات الدولية الكبرى، وأن مستقبل المتوسط لن يتحدد فقط عبر تشديد الرقابة على الحدود، وإنما من خلال معالجة الجذور الاقتصادية والسياسية للهجرة، وتحويل البحر المتوسط من مساحة صراع إلى فضاء للتعاون والتنمية.