شباك التذاكر بلا شاهد رسمي.. تحقيق لـ”النهار” يكشف فوضى إيرادات السينما المصرية

لم تعد إيرادات الأفلام في السينما المصرية مجرد أرقام تعكس أداء شباك التذاكر، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى ساحة جديدة للجدل والمنافسة بين صناع الأعمال، فمع غياب جهة رسمية تعلن الإيرادات بصورة موحدة، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي المصدر الأول للأرقام، يعلن كل طرف ما يراه معبرًا عن نجاح فيلمه، بينما يظل السؤال مطروحا: من يملك الأرقام الحقيقية؟!.
مزاد مزودج
عاد هذا السؤال إلى الواجهة بعد الجدل الذي دار بين الفنانين محمد إمام وأحمد العوضي حول إيرادات فيلميهما "صقر وكناريا" و"شمشون ودليلة"، فبينما أعلن إمام أن فيلمه تجاوز 110 ملايين جنيه، مؤكدًا تحقيقه 6 ملايين جنيه في يوم مباراة مصر والارجنتين، نشر "العوضي" أرقامًا مختلفة تمامًا لإيرادات الأفلام، قبل أن يحذف الطرفان منشوراتهما، لتعود الأزمة إلى نقطة البداية، وسط غياب جهة يمكن الرجوع إليها لحسم الجدل.
ولم يعد استعراض الإيرادات استثناء، بل أصبح جزءًا من الحملات الدعائية للأفلام، إذ يحرص عدد من الفنانين وشركات الإنتاج على نشر أرقام شباك التذاكر عبر حساباتهم الرسمية، لتتحول الإيرادات إلى وسيلة للترويج وصناعة الزخم الإعلامي، في وقت لا توجد فيه آلية موحدة للتحقق من صحة ما يعلن.
دور العرض السبب
ويرى محمود الدفراوي،مؤسس منصة Cinema Track وهي أول منصة رقمية مصرية متكاملة لرصد وتحليل إيرادات شباك التذاكر السينمائي، أن جذور الأزمة تعود إلى توقف دور العرض عن إرسال بياناتها بصورة منتظمة، وهو ما أفقد السوق مصدره الموحد للإيرادات، مؤكدًا أن إعلان كل منتج أرقام فيلمه بصورة منفردة أدى إلى تضارب البيانات، مطالبًا بوضع منظومة موحدة وشفافة تضمن إعلان الإيرادات بشكل رسمي.
ولا تختلف الناقدة الفنية ماجدة موريس مع تشخيص الأزمة، لكنها ترى أن المشكلة لا تتوقف عند غياب الأرقام الرسمية، بل تمتد إلى إعلان بعض أبطال الأفلام إيرادات أعمالهم عبر حساباتهم الشخصية، مشددة على أن الإعلان عن الإيرادات ليس من اختصاص الممثل، وإنما مسؤولية المنتج أو الجهة المعنية، لأن الفيلم نتاج عمل جماعي، ولا ينبغي أن يبدو نجاحه مرتبطا بشخص واحد.
غرفة الصناعة المسؤولة
ومن زاوية أخرى، حمل الناقد الفني طارق الشناوي غرفة صناعة السينما جانبًا من المسؤولية، موضحًا أنها كانت لسنوات الجهة التي تعلن إيرادات شباك التذاكر، وأن تراجع هذا الدور فتح الباب أمام تضارب الأرقام، مشيرًا إلى أن الإيرادات لا تمثل مجرد حصيلة مالية، وإنما تعد مؤشرًا اقتصاديًا يساعد المنتجين على قراءة السوق وتحديد نوعية الأفلام التي يقبل عليها الجمهور.
ويضيف الشناوي أن الأرقام الحقيقية موجودة لدى الجهات الرسمية، وعلى رأسها مصلحة الضرائب، لأن المنتج لن يعلن للدولة أرقامًا أكبر من الواقع حتى لا يتحمل ضرائب إضافية، مطالبًا بعودة غرفة صناعة السينما إلى دورها في جمع وإعلان الإيرادات الرسمية.
إخلاء مسؤولية
وعلى النقيض رفض المنتج ورئيس غرفة صناعة السينما هشام عبد الخالق تحميل الغرفة هذه المسؤولية، مؤكدًا أنها ليست الجهة المختصة بجمع الإيرادات، وإن كانت لا تمانع القيام بهذا الدور مستقبلًا، موضحًا أن الغرفة لا تمتلك الآليات اللازمة لرصد إيرادات جميع دور العرض، خاصة في المحافظات التي لا يعمل بعضها بأنظمة إلكترونية متكاملة، وهو ما يجعل إصدار أرقام رسمية أمرًا غير ممكن في الوقت الحالي.
ويكشف عبد الخالق أن الغرفة بدأت بالفعل التحرك لإنهاء الأزمة، من خلال اجتماع مع وزير المالية لبحث إنشاء منظومة تعتمد على بيانات مصلحة الضرائب بالتنسيق مع الغرفة، بما يسمح بإعلان أرقام دقيقة وموثقة، مشيرًا إلى أن الوزير وعد بدراسة المقترح.
الموزع ينهي الجدل
وتؤكد رواية بعض المنتجين والموزعين أن شركات الإنتاج لا تحصل على الإيرادات بصورة مباشرة، إذ يقول المنتج صفي الدين محمود إن المنتج يعتمد على الموزع السينمائي الذي يجمع بيانات دور العرض ويبلغ بها شركات الإنتاج، ويتفق معه الموزع علاء كركوتي، مؤكدًا أن غرفة صناعة السينما ليست مسؤولة عن إعلان الإيرادات، وأن مسؤولية متابعتها تقع على شركات التوزيع والمنتجين.
ويشير كركوتي إلى أن شباك التذاكر لا يمثل المصدر الوحيد لدخل الفيلم، إذ تتوزع الإيرادات بين دور العرض والمنتج والموزع وفقًا للعقود، بينما تشكل حقوق العرض على المنصات الرقمية والقنوات التلفزيونية، إلى جانب التوزيع في الأسواق الخارجية، جزءًا مهما من العائدات، كما يفسر اختلاف الأرقام المتداولة بأن بعض الجهات تعلن إيرادات السوق المصرية فقط، في حين تضم جهات أخرى إيرادات السعودية ودول الخليج والأسواق الخارجية، وهو ما يفسر التفاوت الكبير في الأرقام المنشورة للفيلم نفسه.
تنصل جماعي والضرائب هي الحل
وفي ظل تضارب الروايات، يبقى المؤكد أن الأزمة ليست في حجم الإيرادات بقدر ما هي في غياب جهة رسمية تتولى إعلانها بصورة موحدة وشفافة، وحتى يتحقق ذلك، ستظل أرقام شباك التذاكر محل جدل، وسيبقى نجاح الأفلام عرضة لتقديرات متباينة، وقد يكون إنشاء منظومة تعتمد على بيانات مصلحة الضرائب المصرية هو الأقرب لإنهاء هذا الجدل، إذ سيصبح جميع الأطراف المعنيين بالإفصاح عن الإيرادات ملزمين بتقديم الأرقام الفعلية، لأن أي مبالغة ستترتب عليها أعباء ضريبية إضافية، في حين أن إخفاء جزء من الإيرادات أو تقديم بيانات غير مطابقة للواقع سيعرض المسؤولين للمساءلة القانونية. وعندها، ستكون الكلمة الفصل للأرقام الرسمية الموثقة، لا للمنشورات المتبادلة على منصات التواصل الاجتماعي.

