النهار
جريدة النهار المصرية

تكنولوجيا وانترنت

جيه إل إل: الإستثمارات المتسارعة في قطاع علوم الحياة بدول الخليج تفتح آفاقاً واعدة لمراكز التصنيع والبحث المتخصصة

حاتم عبد الرحيم -

تحليل جديد يشير إلى تزايد الاستثمارات السيادية، وتعزيز قدرات التصنيع المحلي، والتحول الاستراتيجي نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في منظومة الرعاية الصحية على مستوى مجلس التعاون الخليجي

سوق المستحضرات الدوائية في دول مجلس التعاون الخليجي يسجل نمواً سنوياً يقدر بنحو 7.5%، متجاوزاً حاجز 30 مليار دولار خلال عام 2025

التوقعات تشير إلى أن قيمة سوق التقنيات الحيوية الإقليمي سوف يصل إلى 2.6 مليار دولار بحلول عام 2028، فيما يُتوقع أن يصل سوق الأدوية الجنيسة المصنعة محلياً إلى نحو 14.7 مليار دولار بحلول عام 2032

أصدرت جيه إل إل، شركة الاستشارات والاستثمارات العقارية الرائدة عالمياً، تقريرها الجديد حول قطاع علوم الحياة والتجمعات الصناعية في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا لعام 2026، والذي أشارت فيه إلى أن الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى لدول مجلس التعاون الخليجي نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي قد شكلت حافزاً رئيسياً لنمو قطاع علوم الحياة، حيث تُترجم الأولويات الوطنية إلى استثمارات استراتيجية ضخمة تبني قاعدة إنتاجية محلية متينة وتعزز جاهزية أنظمة الرعاية الصحية لمواجهة المستقبل. وقد أدى هذا التحول الجوهري، المدعوم بالرؤى والسياسات الحكومية، إلى إعادة تشكيل قطاع الصناعات الدوائية الحيوية ودفعه إلى مرحلة جديدة ينتقل فيها من الاعتماد على الاستيراد والاستهلاك إلى الريادة في الإنتاج والابتكار.
وقد كشفت الصدمات الجيوسياسية عن مواطن الضعف الكبيرة في سلاسل الإمداد، وأظهرت حجم المخاطر الاقتصادية والأمنية المترتبة على الاعتماد المفرط على الواردات، ما جعل الاكتفاء الذاتي ركيزة أساسية تعزز السيادة الوطنية لدول مجلس التعاون الخليجي. وفي هذا السياق، تدعم مبادرات استراتيجية مثل "رؤية السعودية 2030" و"مشروع 300 مليار" في دولة الإمارات العربية المتحدة مشاريع تصنيع الأدوية والتقنيات الحيوية محلياً بهدف رفع كفاءة أنظمة الرعاية الصحية وتعزيز جهود التنويع الاقتصادي.
وتسهم الإصلاحات التنظيمية الطموحة، والتي تشمل تسريع مسارات اعتماد الأدوية وتعزيز أطر حماية حقوق الملكية الفكرية، في دعم نمو قطاع علوم الحياة المحلي في دول مجلس التعاون الخليجي. وقد انعكس ذلك في تجاوز حجم سوق الأدوية في المنطقة حاجز 30 مليار دولار أمريكي خلال عام 2025، بمعدل نمو سنوي يقارب 7.5%. كما تشير التوقعات إلى نمو سوق التقنيات الحيوية في المنطقة ليصل إلى 2.6 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2028. وعلى صعيد آخر، يشهد سوق الأدوية الجنيسة المصنعة محلياً نمواً متسارعاً حيث يُتوقع أن تصل قيمة هذا السوق إلى نحو 14.7 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2032. كما تشهد الأدوية الحيوية المماثلة نمواً سنوياً يتراوح بين 15% و20%، مدعومة بتطوير مرافق إنتاج جديدة وشبكات سلاسل تبريد متطورة.
وتعليقاً على التقرير، صرّح سانديب سينها، رئيس قطاع استشارات الرعاية الصحية وعلوم الحياة لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا لدى جيه إل إل، قائلاً: "يشهد قطاع الرعاية الصحية في دول مجلس التعاون الخليجي مرحلة جديدة من النضج، مع تركيز متزايد على التصنيع الدوائي الإقليمي، وتعزيز الأطر التنظيمية التي تدعم توفير الرعاية الصحية بتكلفة مناسبة، واستمرارية الوصول إليها، وأمن سلاسل الإمداد. ومع انتقال القطاع من إنتاج التركيبات الدوائية التقليدية إلى إنتاج المستحضرات الحيوية عالية القيمة والعلاجات المتقدمة، تستثمر الحكومات في التجمعات المتخصصة لعلوم الحياة، وقدرات التصنيع المتقدمة، والبنية التحتية للخدمات اللوجستية العالمية المستوى. وتسهم هذه الاستثمارات في ترسيخ مكانة دول مجلس التعاون الخليجي كمركز متكامل ضمن سلاسل الإمداد العالمية لقطاعي الصناعات الدوائية وعلوم الحياة، مع تعزيز مرونة أنظمة الرعاية الصحية في المنطقة وقدرتها التنافسية على المدى الطويل".
ويواصل قطاع علوم الحياة في دول مجلس التعاون الخليجي نموه مدفوعاً بزيادة انتشار الأمراض المزمنة، إلى جانب التوسع في الطلب على خدمات الرعاية الصحية المتخصصة، الأمر الذي يخلق فرصاً جديدة تتجاوز تصنيع الأدوية الجنيسة لتشمل مجالات الطب الشخصي، وعلم الجينوم، والمستحضرات الحيوية المتقدمة. وتشمل المجالات الرئيسة حالياً تطوير الأدوية الحيوية المماثلة، وتصنيع اللقاحات، والتقنيات العلاجية المتقدمة مثل العلاج بالخلايا والعلاج الجيني، فضلاً عن تزايد الاهتمام بتوظيف الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الأدوية.
ولا يقتصر نمو قطاع علوم الحياة على مراكز التصنيع الكبرى في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، بل تمتد الجهود إلى مختلف دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تدعم الأطر الوطنية الطموحة توطين القدرات المتقدمة في الرعاية الصحية والتقنيات الحيوية لتعزيز مرونة القطاع واستدامته على المدى الطويل. وفي هذا الإطار، تستثمر رؤية قطر الوطنية 2030 ورؤية الكويت 2035 مليارات الدولارات في مجالات الصحة الرقمية، والطب الشخصي، وعلم الجينوم، فيما تُطلق رؤية عُمان 2040 حوافز جديدة ضمن مناطقها الاقتصادية الخاصة بهدف الحد بشكل كبير من الاعتماد على المكونات الدوائية المستوردة.
التجمعات الخليجية المتخصصة
في ظل استمرار توسع قطاع علوم الحياة في دول مجلس التعاون الخليجي، يشير تحليل جيه إل إل إلى أن مراكز التصنيع والبحث والتطوير أصبحت تتجه نحو تطوير تخصصات نوعية تُميز كل مركز عن الآخر. وتبرز الرياض ودبي، بوصفهما مركزين إقليميين متكاملين، إذ تجمعان بين إمكانات وقدرات قوية في مجالي البحث والتطوير والتصنيع، إلى جانب نجاحهما في استقطاب كبرى شركات الأدوية العالمية والاستفادة من الأبحاث الأكاديمية الرائدة لدفع عجلة الابتكار.
وعلى صعيد قطاع البحث العلمي، نجحت أبوظبي في ترسيخ مكانتها كمركز عالمي للتقنيات الحيوية والطب الدقيق، في حين تركز الدوحة على تعزيز موقعها كمركز رائد لعلم الجينوم والتميز السريري المتكامل. وقد نجحت قطر في تعزيز مكانتها كمركز متخصص للأبحاث السريرية المتخصصة والتميز الطبي، مستقطبة شراكات وتعاونات دولية بارزة. وعلى صعيد المنطقة بوجه عام، تشهد القدرات التصنيعية طفرة سريعة في طاقاتها الإنتاجية، حيث تعمل سلطنة عُمان حالياً على تطوير بنيتها التحتية للصناعات الدوائية من خلال إنشاء 18 منشأة إنتاج جديدة، إلى جانب 20 منشأة قائمة بالفعل. كما تسعى المنامة إلى ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي لتصنيع الأدوية والخدمات اللوجستية، بينما تركز مدينة الكويت على استقطاب أحدث تقنيات وخبرات علوم الحياة.
وعلى الرغم من النمو المتسارع الذي يشهده القطاع، يشير تقرير جيه إل إل إلى وجود فجوة استراتيجية تحمل في طياتها فرصة واعدة داخل منظومة علوم الحياة. فبينما تتزايد الاستثمارات الحكومية والخاصة في القطاع، لايزال القطاع يعاني من نقص المرافق المتخصصة اللازمة لإجراء التجارب السريرية واسعة النطاق وتنفيذ أنشطة البحث والتطوير في مجال التقنيات الحيوية، فضلاً عن محدودية منشآت التصنيع اللازمة لإنتاج المستحضرات الحيوية، والأدوية الحيوية المماثلة، واللقاحات.
وتتميز دول مجلس التعاون الخليجي بتنوع سكاني استثنائي يضم أكثر من 200 جنسية، ويمثل تطوير منشآت متخصصة في الأبحاث السريرية فرصة واعدة للمستثمرين العالميين لتطوير منشآت متقدمة بمعايير عالمية لإجراء التجارب السريرية، لاسيما في مجالات علم الجينوم وأبحاث الأورام.