النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

”مسودة العلمين” تفرض معادلة السلاح مقابل الانسحاب.. وإسرائيل تصفها بـ«الهزيمة المذلة»

هجوم إسرائيلي على مسودة العلمين بعد الإعلان عن التوصل لاتفاق بخصوص سلاح المقاومة
عبدالرحمن كمال -

أحدثت مسودة التفاهمات المتداولة في مفاوضات العلَمين التي تقودها مصر، والخاصة بقطاع غزة، هزة سياسية وأمنية داخل إسرائيل، بعدما كشفت للمرة الأولى عن مقاربة مختلفة للتعامل مع ملف سلاح المقاومة، تقوم على مبدأ "الحصر والتخزين" تحت إدارة فلسطينية ورقابة دولية، بالتزامن مع انسحاب إسرائيلي تدريجي من قطاع غزة، وهو ما اعتبرته أوساط إسرائيلية تحولاً جذرياً ينسف الأهداف التي أعلنتها حكومة بنيامين نتنياهو منذ اندلاع الحرب، ويضعها أمام معضلة سياسية وعسكرية يصعب احتواؤها داخلياً.

وبينما وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التفاهمات بأنها "إنجاز تاريخي"، سارعت دوائر سياسية وعسكرية وإعلامية إسرائيلية إلى مهاجمة المسودة، معتبرة أنها تمنح حركة حماس شرعية سياسية وأمنية جديدة، وتحول ما عجزت إسرائيل عن تحقيقه عسكرياً إلى واقع تفاوضي يفرض عليها الانسحاب مقابل ترتيبات لا تنتهي إلى نزع السلاح بصورة كاملة، الأمر الذي فتح الباب أمام سجال واسع حول ما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية تتجه إلى تسوية تناقض بصورة مباشرة شعار "النصر المطلق" الذي رفعته طوال الأشهر الماضية.

معادلة السلاح

تكشف البنود المسربة أن جوهر الاتفاق لا يقوم على نزع سلاح المقاومة كما تطالب إسرائيل، وإنما على إدارة هذا الملف ضمن عملية سياسية وأمنية متدرجة، تبدأ بإعداد جدول زمني خلال أربعة عشر يوماً لحصر السلاح وتخزينه، على أن تتولى اللجنة الوطنية لإدارة غزة وحدها مسؤولية الاحتفاظ به وإدارته، مع مشاركة الفصائل الفلسطينية تنظيمياً في إجراءات الحصر، بينما تتولى لجنة تحقق دولية وقوة استقرار دولية مراقبة التنفيذ دون نقل أي قطعة سلاح إلى إسرائيل أو إلى أي جهة غير فلسطينية.

وتربط الوثيقة هذه الإجراءات بجملة من الشروط السياسية والميدانية، أبرزها دخول اللجنة الوطنية إلى قطاع غزة، وانتشار قوة الاستقرار الدولية، واستكمال الالتزامات المرتبطة ببروتوكول شرم الشيخ، إضافة إلى توفير مسار سياسي يقود إلى حق تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية، بما يجعل ملف السلاح جزءاً من منظومة سياسية متكاملة، وليس إجراءً أمنياً منفصلاً كما كانت تطالب به تل أبيب.

كما تنص المسودة على أن المرحلة الأولى تشمل السلاح الثقيل، ومواقع الإنتاج العسكري، ومستودعات الأسلحة والذخيرة، والأنفاق، في حين تتولى قوة شرطة فلسطينية جديدة إدارة الأمن الداخلي، بينما أشارت تقارير أمريكية إلى أن شرطة غزة ستسلم أسلحتها إلى إدارة اللجنة الوطنية خلال الأسابيع المقبلة، في إطار إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والإدارية في القطاع.

رفض إسرائيلي

أثارت هذه البنود ردود فعل غاضبة داخل إسرائيل، إذ اعتبر موقع "إنتلي نيوز" العبري أن الاتفاق يمثل "أسوأ ما يمكن القبول به"، لأنه لا يؤدي إلى إخراج السلاح من قطاع غزة، وإنما يبقيه داخل مستودعات تخضع لإشراف فلسطيني، بما يسمح ــ وفق قراءته ــ بإعادة استخدامه مستقبلاً، مع بقاء كوادر حماس داخل القطاع واستمرار وجودها المؤسسي والإداري.

ورأت المنصة العبرية أن إسرائيل، وفق هذه الصيغة، ستوقف عمليات الاغتيال، وتنسحب تدريجياً من القطاع، بينما تحتفظ حماس ببنيتها التنظيمية وسلاحها المخزن، وتحصل على حصانة سياسية وإدارية، معتبرة أن الاتفاق يحول الحكومة الإسرائيلية إلى الطرف الذي يقدم التنازلات، مقابل احتفاظ الحركة بعناصر قوتها الأساسية.

ولم يقتصر الرفض على المنصات الإعلامية، إذ اعتبر المحلل العسكري في صحيفة "يديعوت أحرونوت" رون بن يشاي أن خطة وقف إطلاق النار، إذا نُفذت بصيغتها الحالية، ستُبقي حماس القوة الأكثر تأثيراً داخل غزة، وستقيد حرية الجيش الإسرائيلي في تنفيذ العمليات العسكرية مستقبلاً، مشيراً إلى أن الغموض في آليات التنفيذ يمنح الحركة مساحة واسعة لإعادة ترتيب أوضاعها تحت غطاء سياسي ودولي.

وأضاف أن ما تصفه إسرائيل بـ"النصر المطلق" يتحول، وفق هذه الصيغة، إلى اتفاق يجعل حماس الطرف الذي يخرج بمكاسب سياسية ومعنوية، في حين تظهر الحكومة الإسرائيلية بموقع الطرف الذي يقدم التنازلات بعد حرب طويلة وكلفة بشرية وعسكرية مرتفعة.

شرط الانسحاب

في المقابل، تتمسك حركة حماس والفصائل الفلسطينية بمبدأ التزامن الكامل بين أي ترتيبات تتعلق بالسلاح وبين الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، حيث أكد عضو الوفد المفاوض غازي حمد أن الحركة لن تقدم أي خطوة في ملف الحصر أو التخزين قبل بدء الانسحاب الإسرائيلي، مشدداً على أن اللجنة الوطنية الفلسطينية ستكون الجهة الوحيدة المخولة بإدارة هذا الملف، دون أي تدخل إسرائيلي.

ويعكس هذا الموقف محاولة فلسطينية لفصل مفهوم "الحصر والتخزين" عن مفهوم "نزع السلاح"، إذ ترى الفصائل أن السيطرة الفلسطينية على السلاح، مع بقائه داخل القطاع، تختلف جذرياً عن مطلب التجريد الكامل الذي ترفعه إسرائيل، وهو ما يجعل المسافة بين الطرفين لا تزال واسعة رغم التقدم الذي أحرزته المفاوضات.

اشتباك سياسي

تزامناً مع ذلك، نقلت صحيفة "واشنطن بوست" عن مسؤول إسرائيلي تأكيده أن إسرائيل لن تنسحب من "الخط الأصفر" قبل نزع سلاح حماس بالكامل وتحويل قطاع غزة إلى منطقة منزوعة السلاح، مضيفاً أن نزع السلاح يمثل شرطاً مسبقاً لأي عملية سياسية أو أمنية، في موقف يعكس استمرار تمسك المؤسسة الإسرائيلية بالمطالب التقليدية التي تتعارض مع جوهر المسودة المطروحة في العلَمين.

ويكشف هذا التصريح عن فجوة متزايدة بين الرؤية التي يجري التفاوض عليها برعاية الوسطاء، وبين الخطاب الرسمي الإسرائيلي، إذ تقوم المسودة على إدارة فلسطينية للسلاح وربط ترتيباته بالانسحاب، بينما تصر تل أبيب على نزع كامل للسلاح قبل أي انسحاب، بما يجعل ملف السلاح العقدة الأكثر تعقيداً في المفاوضات الجارية.

إدارة انتقالية

ولا تقتصر التفاهمات على الجانب الأمني، بل تمتد إلى إعادة هيكلة الإدارة المدنية والمالية في قطاع غزة، إذ تنص المسودة على الإبقاء على الموظفين الحكوميين الحاليين وضمان حقوقهم القانونية، ومعالجة أوضاع من يُحالون إلى التقاعد أو تنتهي خدماتهم، إضافة إلى تدقيق شامل في الموارد والأصول العامة، وتسوية الالتزامات المالية للموردين والمتعاقدين ضمن سقف يبلغ أربعمائة مليون دولار على مدى ثلاثة أعوام.

كما تتولى لجنة إدارة غزة إدارة القطاعات الحيوية، والإشراف على إعادة الإعمار، بما يعكس توجهاً نحو فصل الإدارة المدنية عن التجاذبات العسكرية، وإقامة بنية انتقالية تحظى بدعم دولي وإقليمي، في محاولة لتوفير بيئة مستقرة لتنفيذ بقية بنود خطة السلام.

معضلة نتنياهو

تضع هذه التطورات حكومة بنيامين نتنياهو أمام اختبار سياسي غير مسبوق، فقبولها بصيغة الحصر والتخزين يعني عملياً التراجع عن أحد أبرز أهداف الحرب المتمثل في نزع سلاح حماس بالكامل، بينما يهدد رفضها للمسودة بإفشال مسار تفاوضي يحظى بدعم أمريكي ودولي واسع، في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية والخارجية لإنهاء الحرب.

وتشير ردود الفعل الإسرائيلية إلى أن الخلاف لم يعد يدور حول تفاصيل تقنية تتعلق بآليات تخزين السلاح أو الرقابة عليه، بل حول تعريف النتيجة النهائية للحرب نفسها. فبينما ترى الأطراف الراعية أن الاتفاق يؤسس لمرحلة انتقالية تربط الأمن بالحل السياسي، تنظر قطاعات واسعة داخل إسرائيل إلى المسودة باعتبارها اعترافاً عملياً ببقاء حماس لاعباً رئيسياً في غزة، الأمر الذي يفسر حدة الانتقادات الموجهة للحكومة، ويجعل ملف السلاح يتحول من بند تفاوضي إلى عنوان لأزمة سياسية داخلية قد تحدد مستقبل الائتلاف الحاكم، كما قد ترسم شكل المرحلة التالية في الصراع على قطاع غزة.