«صبري ناصف» يستعيد رحلة «مسرح الفلاحين» في ندوة تكريمية بالمهرجان القومي للمسرح

في إطار فعاليات الدورة التاسعة عشرة من المهرجان القومي للمسرح المصري، برئاسة الفنان محمد رياض، أقيمت ندوة تكريمية للمخرج المسرحي صبري ناصف، أحد مكرمي فعاليات المنصورة، بالتزامن مع توقيع كتاب «صبري ناصف.. الحارس الأمين لمسرح الفلاحين» للدكتور إيهاب الشربيني، وأدارت الندوة الدكتورة صفاء البيلي، بحضور نخبة من المسرحيين والمهتمين بالحركة المسرحية.
وفي مستهل الندوة، أكدت الدكتورة صفاء البيلي أن تجربة صبري ناصف تمثل نموذجًا استثنائيًا للفنان الذي آمن برسالة المسرح خارج المركز، واستطاع أن يحافظ على تجربة «مسرح الفلاحين» لعقود، معتبرة أن تكريمه اليوم هو احتفاء بقيمة الإخلاص للفن، وبواحدة من التجارب التي رسخت حضور المسرح في القرى والنجوع، وأسهمت في اكتشاف أجيال من المبدعين.
من جانبه، أعرب الدكتور إيهاب الشربيني، مؤلف كتاب «صبري ناصف.. الحارس الأمين لمسرح الفلاحين»، عن سعادته بإصدار الكتاب ضمن إصدارات المهرجان، مشيرًا إلى أن فكرة الكتاب جاءت من معايشته الطويلة لتجربة صبري ناصف، وحرصه على توثيق رحلة فنية وإنسانية تستحق أن تُروى، لما تحمله من دروس في الإيمان بالمسرح والعمل الثقافي الجاد، مؤكدًا أن الكتاب يرصد جانبًا من تاريخ مسرح الفلاحين باعتباره أحد أهم نماذج المسرح المرتبط بالمجتمع.
وخلال الندوة، استعاد صبري ناصف أبرز محطات رحلته مع «مسرح الفلاحين»، مؤكدًا أن التجربة نجحت في لفت انتباه كبار رموز الثقافة والنقد في مصر، مستشهدًا بزيارة الدكتور سمير سرحان إلى قرية المقاطعة لمشاهدة أحد عروض الفرقة، بعدما أصر على دعوته لمشاهدة العرض داخل القرية وليس في القاهرة، ليفاجأ بحضور الدكتور سرحان مصطحبًا حافلة تضم عددًا كبيرًا من كبار النقاد والصحفيين، وهي الزيارة التي أثارت اهتمامًا صحفيًا واسعًا، قبل أن يقرر دعم الفرقة بمبلغ ألفي جنيه عام 1988، وهو ما مثل دفعة كبيرة لاستمرارها في ذلك الوقت.
كما كشف ناصف عن موقف جمعه بالدكتور سمير سرحان، حين عرض عليه العمل داخل وزارة الثقافة، إلا أنه اعتذر عن قبول الوظيفة، مفضلًا الحفاظ على استقلاله، مؤكدًا أنه لم يكن يريد أن يخلط بين مصدر رزقه وبين عشقه للمسرح، حتى يظل قادرًا على التعبير عن آرائه بحرية والدفاع عن فرق الأقاليم دون أي قيود.
وتحدث المخرج المكرم عن اللقاءات التي جمعته بعدد من كبار المبدعين، ومن بينهم الكاتب الكبير عبده دياب، الذي تابع أحد عروض الفرقة وقدم له ملاحظات فنية حول الأداء المسرحي، خاصة في كيفية إدارة الإيقاع والصمت على خشبة المسرح، مؤكدًا أن تلك النصائح ظلت تمثل مرجعًا مهمًا له طوال مسيرته الفنية، وأسهمت في تطوير أدواته كممثل ومخرج.
كما استعرض ناصف أسماء عدد من المخرجين الذين تعاون معهم على مدار سنوات، مؤكدًا أن كل تجربة أضافت إليه خبرة جديدة، وأن استمرار «مسرح الفلاحين» لم يكن ثمرة جهد فردي، وإنما نتاج عمل جماعي شارك فيه عدد كبير من الفنانين والمخرجين الذين آمنوا بقيمة المسرح خارج العاصمة.
وتطرق خلال حديثه إلى واقع المسرح في الأقاليم، معربًا عن أسفه لتراجع فرص تقديم العروض لفترات طويلة، مقارنة بما كان يحدث في السابق، حين كانت الفرق المسرحية تجوب القرى والمدن وتقدم عشرات العروض خلال الموسم الواحد، مؤكدًا أن المسرح الحقيقي لا يكتفي بعرض أو عرضين، وإنما يعيش بالاحتكاك اليومي مع الجمهور، وهو ما حققته تجربة «مسرح الفلاحين» عبر سنوات من التجوال داخل المحافظات والمعسكرات والقرى.
وأكد أن فرق الأقاليم تحتاج إلى مزيد من الدعم والاهتمام، وإعادة النظر في آليات إنتاج العروض وتوزيعها، بما يضمن وصول المسرح إلى جمهوره الطبيعي، مشددًا على أن رسالة المسرح تتجاوز حدود خشبة العرض لتصبح جزءًا من الحياة اليومية للمجتمع.
واختتم صبري ناصف حديثه بالتأكيد على أن التكريم يمثل تقديرًا لتجربة جماعية شارك فيها عشرات الفنانين على مدار سنوات، معربًا عن امتنانه للمهرجان القومي للمسرح المصري على هذا الاحتفاء، ومؤكدًا أن عشقه للمسرح وإيمانه بدوره الثقافي والإنساني كانا الدافع الحقيقي وراء استمراره في هذه الرحلة الطويلة، التي كرّسها لخدمة «مسرح الفلاحين» وترسيخ حضوره كأحد النماذج المهمة للمسرح المصري في الأقاليم.
وفي ختام الندوة، أكد الفنان محمد رياض، رئيس المهرجان القومي للمسرح المصري، أن خروج فعاليات المهرجان إلى المحافظات يمثل أحد أهم الإنجازات التي تحققت خلال الدورات الأخيرة، موجهًا الشكر لكل من أسهم في إنجاح هذه التجربة، ومشيرًا إلى أن رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة الأسبق خالد اللبان، كان له دور كبير في دعم انتشار الفعاليات، بما أتاح إقامة أنشطة المهرجان في أربع محافظات خلال العام الماضي بدلًا من محافظة واحدة. وأعرب رياض عن أمله في الحفاظ على هذا المنجز وتطويره خلال الدورات المقبلة، مؤكدًا أن الهدف هو وصول المنتج الثقافي والمسرحي إلى جميع أبناء المحافظات، وليس إلى الفنانين وحدهم، بما يحقق رسالة المهرجان ويجسد شعاره: «المهرجان القومي للمسرح… في كل مصر». كما وجه الشكر لأهالي المنصورة على حفاوة الاستقبال والتفاعل مع فعاليات المهرجان.

