د. عباس شومان: الشرع ترك بعض المسائل للاجتهاد تيسيرًا على الناس

أكد الدكتور عباس شومان، أن اختلاف الفقهاء انحصر في المسائل الاجتهادية الفرعية، ولم يمس أصول الدين أو ثوابته، مشددًا على أن هذا الاختلاف لم يكن وليد خلافات شخصية، وإنما استند إلى أسباب علمية ومنهجية، أثرت الفقه الإسلامي، وأكسبته مرونة، وقدرة على مواكبة اختلاف الأحوال والبيئات.
جاء ذلك خلال فعاليات ورشة عمل للطلاب الوافدين، بمقر المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، بعنوان: «أسباب اختلاف الفقهاء»، وذلك بمشاركة 50 طالبًا وافدًا من جنسيات: نيجيريا، واليمن، وأفغانستان، وبنجلاديش، والكاميرون، وبوركينا فاسو، وتوجو، والفلبين، والجزائر، ومالي، وغينيا، ضمن سلسلة الورش العلمية التي تنظمها المنظمة، لدعم وسطية الإسلام، وترسيخ الفكر الأزهري في أذهان الدارسين الوافدين، وإعدادهم ليكونوا سفراء للمنهج الوسطي في بلدانهم.
وأشار الدكتور شومان إلى أن العلاقة بين أئمة الفقه قامت على الاحترام والتقدير المتبادل، مستشهدًا بقول الإمام الشافعي: «الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة»، مؤكدًا أن هذه العبارة تعكس مكانة العلماء لدى بعضهم البعض، وتُفنّد ما يُروَّج له من أن اختلافهم كان سببًا للفرقة أو النزاع.
وأوضح أن القول باختلاف الفقهاء في كل شيء، ادعاء غير صحيح، مبينًا أن اختلافهم اقتصر على المسائل ظنية الدلالة التي لم يرد فيها نص قطعي من القرآن الكريم أو السنة النبوية، بينما ظلت الأحكام الأصلية والثوابت الشرعية محل اتفاق بين جميع العلماء، لافتًا إلى أن هذا التنوع في الاجتهاد كان رحمة بالأمة، وتيسيرًا على المكلفين، حيث يختار المسلم من الآراء المعتبرة ما يناسب حاله وفق الضوابط الشرعية.
وأضاف أن من حكمة الشريعة: عدم حسم بعض المسائل الاجتهادية، لإفساح المجال أمام العلماء للاجتهاد، بما يحقق مصالح الناس في مختلف الأزمنة والأمكنة، مؤكدًا أن اختلاف الفقهاء لم يكن مصدرًا للتشدد، بل كان بابًا للتيسير ورفع الحرج عن المسلمين.
واستعرض رئيس المنظمة، أبرز الأسباب العلمية التي أدت إلى اختلاف الفقهاء، موضحًا أن اللغة العربية بما تحمله من ثراء في الألفاظ، وتعدد في الدلالات، والمترادفات، والمشترك اللفظي، كانت من أهم أسباب تنوع الفهم والاستنباط، مؤكدًا أن ذلك يمثل مصدرًا لثراء الفقه الإسلامي، وليس موطنًا للخلاف المذموم.
كما أشار إلى أن اختلاف العلماء في مدى علمهم بالسنة النبوية، كان من أسباب تباين الاجتهادات، موضحًا أن السنة لم تُدوَّن في بداية الإسلام، إذ نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابتها أول الأمر، خشية اختلاطها بالقرآن الكريم، ثم أذن بتدوينها بعد أن استقر تمييز الصحابة بين القرآن والحديث، الأمر الذي جعل بعض الصحابة أكثر رواية للحديث من غيرهم، وفي مقدمتهم: أبو هريرة رضي الله عنه، بينما اجتهد آخرون في بعض المسائل التي لم تبلغهم فيها النصوص.
ولفت إلى أن اختلاف مناهج الأئمة في ترتيب الأدلة الشرعية، يُعد أيضًا من أبرز أسباب تنوع الآراء الفقهية، إلى جانب اعتمادهم على القرآن الكريم، والسنة النبوية، والإجماع، والقياس، وغيرها من الأدلة الاجتهادية المعتبرة، وهو ما أسهم في بناء مدارس فقهية متنوعة، اتفقت في الأصول، واختلفت في الفروع، بما يعكس سماحة الشريعة الإسلامية ومرونتها.
واختُتمت الورشة بحوار مفتوح، أجاب خلاله الدكتور عباس شومان عن أسئلة واستفسارات الطلاب الوافدين، حول قضايا الاختلاف الفقهي، مؤكدًا أهمية فهم طبيعة هذا الاختلاف في إطارها العلمي الصحيح.

