سر إخفاء الجثة تحت السرير.. اللواء أمجد شافعي يكشف لـ«النهار» أخطر أسرار مسرح الجريمة

في مسارح الجرائم، لا تتحدث الجثة وحدها، بل تتحدث أيضًا طريقة إخفائها، فقد تبدو للوهلة الأولى مجرد محاولة لإخفاء الأدلة، لكن بالنسبة لرجال البحث الجنائي، فإن مكان الجُثة وكيفية إخفائها قد يكونان مفتاحا يكشف دقائق ما دار داخل مسرح الجريمة، وربما يقودان مباشرة إلى شخصية الجاني وسلوكه.
وفي هذا الشأن قال اللواء أمجد شافعي، مساعد وزير الداخلية الأسبق وأحد أبرز قيادات البحث الجنائي، إن سنوات طويلة من العمل الميداني، إلى جانب تدريسه لرجال المباحث في مصر ودول عربية وأفريقية، قادته إلى ما يصفه بـ"نظرية إخفاء الجثة"، وهي نظرية تعتمد على قراءة السلوك الإنساني للجاني بعد ارتكاب الجريمة.
وأضاف اللواء "شافعي"، في تصريح خاص لـ"النهار" أن التصرف الطبيعي لأي شخص يرتكب جريمة قتل هو الهروب فورا من مكان الواقعة، خوفا من انكشاف أمره أو ضبطه متلبسا، لكن عندما يجد المحقق أن الجاني لم يهرب مباشرة، بل بقي داخل مسرح الجريمة لبعض الوقت، فإن ذلك يحمل دلالات مهمة يجب التوقف أمامها.
وأوضح مساعد وزير الداخلية الأسبق، أن بقاء الجاني داخل المكان يمكن اكتشافه من خلال تفاصيل بسيطة قد لا ينتبه إليها غير رجال البحث، مثل أعقاب السجائر في الطفاية، أو استخدام منشفة لتجفيف الوجه، أو آثار تدل على أن شخصا مكث في المكان بعد وقوع الجريمة، هذه العلامات تشير إلى أن القاتل لم يغادر فورا، بل ظل لبعض الوقت يحاول استعادة هدوئه أو تنفيذ هدف آخر.

وتابع: "أن أول ما يلفت انتباهه في كثير من القضايا هو إخفاء الجُثة داخل دولاب، أو أسفل سرير، أو تغطيتها ببطانية أو مرتبة، ورغم اختلاف طرق الإخفاء، فإن الدافع النفسي غالبًا ما يكون متشابهًا".
ويشرح قائلًا: "إن الجاني في هذه اللحظة لا يكون قادرا على النظر إلى ضحيته، فيحاول إبعادها عن مجال رؤيته، وأحيانا يكون مدفوعا بالخوف، وأحيانا بالصدمة، وأحيانا يتوهم أن الجُثة قد تتحرك أو تعود للحياة، وهو شعور رصده في عدد من القضايا التي تعامل معها على مدار سنوات خدمته".


ويشير إلى أن بعض القتلة يضعون كرسيا أو منضدة فوق المرتبة التي تغطي الجُثة، وهو تصرف قد يبدو غريبًا، لكنه يحمل تفسيرا نفسيًا مهما، فبحسب الشافعي، يتعامل الجاني مع هذه الأشياء وكأنها "جرس إنذار"، فإذا تحركت الجثة" وفقًا لوهمه"، سيسقط الكرسي أو تتحرك المنضدة، فيشعر بالخطر ويهرب أو يتصرف سريعا.
وأكمل: "لا يتوقف الأمر عند الجانب النفسي فقط، بل يرى الشافعي أن إخفاء الجُثة غالبا ما يعني أن القاتل ظل داخل المكان فترة كافية للبحث عن شيء معين، سواء كانت أموالا أو مشغولات ذهبية أو مستندات أو أي مقتنيات أخرى، لذلك فإن العثور على جُثة مخفية بهذه الطريقة يدفع رجال المباحث إلى البحث عن مسروقات أو أوراق مفقودة داخل مسرح الجريمة".

ويؤكد أن هذه النظرية ساعدته في تحليل عدد كبير من القضايا، لأنها تربط بين سلوك الجاني بعد القتل وما كان ينوي فعله داخل المكان، مشيرًا إلى أن إخفاء الجثة ليس مجرد تصرف عشوائي، وإنما يحمل رسالة مهمة للمحققين.
واستشهد شافعي، بعدد من الوقائع التي تعامل معها خلال مسيرته، من بينها قضية شهيرة في منطقة الدقي، تلقى بلاغًا من أحد الأشخاص يخبره بانفعال "الحقني.. في واحدة ميتة تحت السرير في الشقة اللي جنبي، وصاحب الشقة عايز يرميها في الزبالة، وبعد ضبط المتهم ومناقشته، كشف الأخير عن السبب الذي دفعه إلى إخفاء الجثة أسفل السرير، حيث أوضح أنه بعدما ارتكب الجريمة لم يغادر الشقة مباشرة، بل جلس لبعض الوقت يحاول استعادة هدوئه، وغسل وجهه حتى يسيطر على أعصابه، ثم سحب الجثة ووضعها تحت السرير".
وأضاف شافعي أنه سأله خلال التحقيق: "لماذا وضعتها تحت السرير؟" فجاءت الإجابة: "لو حد دخل فجأة، هستخبى في أي مكان، ومش هيشوف الجثة".
واستشهد أيضا بقضية "فتاتي الشيخ زايد"، التي شغلت الرأي العام وأثارت حالة واسعة من الجدل، وقال: إن المتهم لم يتوجه إلى الشقة بنية القتل، وإنما كان هدفه السرقة فقط.
وأثناء تجوله داخل الشقة دخل إلى المطبخ، وفتح الثلاجة ليشرب الماء، ثم أثناء إعادته زجاجة المياه إلى مكانها لاحظ مبلغًا ماليًا قدره 400 جنيه، فقرر مواصلة البحث عن أموال أو مقتنيات أخرى.
وأضاف أن مخطط المتهم تبدل بالكامل بعدما فوجئ بوجود الفتاتين واكتشافهما له داخل الشقة، فتحولت محاولة السرقة في لحظات إلى مواجهة انتهت بقتلهما، في محاولة للتخلص من الشاهدين الوحيدين على وجوده.
وأشار شافعي إلى أن تصرف المتهم بعد الجريمة كان لافتًا لرجال البحث الجنائي، إذ لم يفر مباشرة، وإنما ظل داخل الشقة لبعض الوقت، ثم عمد إلى تغطية الجثمانين بملاءة ومرتبة، والقاسم المشترك بينهما كان محاولة الجاني إخفاء الجثة قبل استكمال ما جاء من أجله، سواء السرقة أو البحث عن شيء محدد داخل الشقة.
ويختتم شافعي حديثه بالتأكيد على أن مسرح الجريمة لا يكذب، وأن كل تفصيلة بداخله، مهما بدت بسيطة، تحمل معنى، فطريقة إخفاء الجثة، ومكانها، والزمن الذي قضاه الجاني بعد ارتكاب الجريمة، كلها خيوط تساعد رجال البحث الجنائي على إعادة بناء ما حدث، وكشف الحقيقة خطوة بخطوة، حتى الوصول إلى الجاني.

