كيف تواجه مصر نقص الأدوية المستوردة وتحقيق الأمن الدوائي؟

عادت قضية نقص بعض الأدوية المستوردة إلى الواجهة مجددًا مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، والتي ألقت بظلالها على سلاسل الإمداد العالمية وتكاليف الشحن والتأمين والإنتاج. ورغم أن مصر تمتلك واحدة من أكبر الصناعات الدوائية في الشرق الأوسط، فإن بعض الأصناف العلاجية المتخصصة لا تزال تعتمد على الاستيراد، ما يجعلها أكثر عرضة للتأثر بالأزمات الخارجية وتقلبات أسعار الصرف.
ويرى خبراء أن الأزمة الحالية لا ترتبط بضعف الصناعة المحلية بقدر ما ترتبط بطبيعة بعض الأدوية عالية التقنية التي لا تزال تُستورد بالكامل، إلى جانب الضغوط التي تواجه الشركات في تدبير النقد الأجنبي وارتفاع تكاليف الإنتاج العالمية.
وقال النائب أشرف عبد الغني، أمين سر اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ ومؤسس جمعية خبراء الضرائب المصرية، إن أزمة نقص الأدوية المستوردة تعد من أبرز التحديات التي تواجه المرضى، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة، موضحًا أن هذه الأزمة تتكرر مع كل موجة من التوترات الجيوسياسية، وكان آخرها الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، التي انعكست بصورة مباشرة على تكلفة الإنتاج والاستيراد.
وأضاف أن صناعة الدواء المصرية شهدت طفرة كبيرة خلال السنوات العشر الماضية، حتى أصبحت مصر أكبر سوق دوائي في الشرق الأوسط باستثمارات تتجاوز 400 مليار جنيه، وهو ما يعكس نجاح الدولة في بناء قاعدة صناعية قوية قادرة على تلبية معظم احتياجات السوق.
وأوضح أن مصر تضم نحو 180 مصنعًا للأدوية، إضافة إلى ما يقرب من ألفي شركة تعمل بنظام التصنيع لدى الغير، وهي منظومة توفر نحو 94% من احتياجات السوق المحلية، فضلًا عن نمو الصادرات الدوائية التي ارتفعت إلى نحو 1.75 مليار دولار، مع استهداف الوصول بها إلى 5 مليارات دولار بحلول عام 2030.
ورغم هذا التطور الكبير، أشار عبد الغني إلى أن السوق لا يزال يعاني من نقص يقترب من 10% في بعض الأدوية المستوردة، وهي في الأغلب أصناف لا تمتلك بدائل محلية أو تحتاج إلى تكنولوجيا تصنيع متقدمة، مثل أدوية الأورام، والأنسولين، والعلاجات البيولوجية والمناعية، وبعض أدوية الهرمونات.
وأوضح أن استمرار الأزمة يرجع إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها، صعوبة توفير النقد الأجنبي اللازم لاستيراد المواد الخام والأدوية كاملة الصنع، وارتفاع تكاليف الإنتاج والشحن عالميًا، ما دفع بعض الشركات للمطالبة بإعادة تسعير الأدوية المستوردة لمواجهة زيادات تجاوزت 30%، واتجاه بعض المرضى إلى شراء كميات أكبر من احتياجاتهم الفعلية تخوفًا من نقص الدواء، وهو ما يزيد الضغوط على السوق، ووجود ممارسات احتكارية من بعض المستوردين أو الموزعين تعتمد على تخزين الأدوية لتعطيش السوق وتحقيق أرباح غير مشروعة.
وترى جمعية خبراء الضرائب المصرية أن مواجهة الأزمة تتطلب حلولًا هيكلية، وليس مجرد تدخلات مؤقتة، وقدمت ثلاثة مقترحات رئيسية، أولها، التوسع في توطين صناعة الأدوية التي لا تمتلك بدائل محلية، عبر منح الشركات المحلية والأجنبية حوافز ضريبية ومالية وجمركية تشجعها على نقل التكنولوجيا والاستثمار في إنتاج هذه الأصناف داخل مصر، وهو ما يسهم في تقليل فاتورة الاستيراد، وتعزيز الأمن الدوائي، وخفض تكلفة بعض الأدوية بنسبة قد تصل إلى 50% على المدى الطويل.
أما المقترح الثاني، فيتمثل في تشديد الرقابة على شركات التوزيع والصيدليات لمواجهة أي ممارسات احتكارية أو محاولات لتعطيش السوق، بما يضمن وصول الدواء للمريض بالسعر الرسمي وفي الوقت المناسب.
ويتمثل المقترح الثالث في إعادة النظر في الرسوم التي تفرضها هيئة الدواء المصرية على خدمات تسجيل وتسعير الأدوية، بما يخفف الأعباء المالية على الشركات، خاصة في فترات الأزمات العالمية وارتفاع تكاليف الإنتاج.

