بين عدن وتعز.. رحلة صحفية في عالم نزع الألغام

تعد الزيارات الميدانية من أهم الوسائل التي تمنح الصحفي فرصة لفهم الواقعولذلك جاءت زيارتي إلى مشروع مسام لنزع الألغام في محافظتي عدن وتعز لتكون تجربة مهنية وإنسانية في الوقت نفسه.
فمنذ اللحظة الأولى شعرت بأنني أمام مشروع يتجاوز كونه برنامجا لإزالة الألغام إلى مبادرة إنسانية، تسعى إلى إعادة الحياة والطمأنينة إلى المواطنين الذين يعيشون يوميا تحت تهديد خطر لا يرى بالعين المجردة.
بدأت الزيارة في محافظة عدن حيث التقيت عدد من مسؤولي المشروع الذين قدموا شرحا وافيا حول طبيعة عمل "مسام" وآلية توزيع الفرق الميدانية وأبرز المحافظات التي يعمل فيها المشروع بالإضافة إلى التحديات التي تواجه الفرق أثناء تنفيذ مهامها.
وقد لمست خلال هذا اللقاء حجم الجهد المبذول ليس فقط في عمليات نزع الألغام، وإنما أيضا في التخطيط وجمع المعلومات والتنسيق مع الجهات المحلية وتدريب الكوادر العاملة على أعلى معايير السلامة.
خلال الجولة اطلعت على جانب من المعدات والأدوات التي تستخدمها فرق نزع الألغام، كما تعرفت على الخطوات التي تمر بها عملية إزالة أي لغم أو جسم متفجر بدءا من تلقي البلاغ، مرورا بعملية المسح الميداني ووصولا إلى التعامل مع اللغم وتدميره وفق الإجراءات الفنية المعتمدة.
وقد بدا واضحا أن هذا العمل يحتاج إلى دقة متناهية وخبرة كبيرة وأعصاب هادئة، لأن أي خطأ قد يؤدي إلى نتائج كارثية
وأكثر ما شد انتباهي خلال الزيارة، هو حديث أفراد الفرق الميدانية عن طبيعة عملهم لم يتحدثوا عن المخاطر التي يواجهونها من باب البطولة وإنما باعتبارها جزءا من مسؤوليتهم اليومية.
كانوا يؤكدون أن نجاحهم الحقيقي لا يقاس بعدد الألغام التي يتم نزعها فقط وإنما بعدد الأرواح التي يتم إنقاذها وعدد الأسر التي تستطيع العودة إلى منازلها أو أراضيها الزراعية بأمان.
كما تعرفت على جانب مهم من أنشطة المشروع وهو برامج التوعية المجتمعية بمخاطر الألغام، حيث أوضح المسؤولون أن هذه البرامج تستهدف الأطفال والنساء وسكان المناطق المتضررة، من خلال حملات ميدانية ومواد توعوية تساعد المواطنين على التعرف على الأجسام المشبوهة وتجنب الاقتراب منها أو العبث بها والإبلاغ عنها فورا.
وقد أدركت أن التوعية لا تقل أهمية عن عمليات التطهير نفسها لأنها تسهم في الحد من وقوع الضحايا، خاصة بين الأطفال
بعد ذلك انتقلت إلى محافظة تعز حيث كانت الزيارة أكثر تأثيرا من الناحية الإنسانية، فتعز من المحافظات التي تعاني من انتشار الألغام والذخائر غير المنفجرة وهو ما انعكس بصورة مباشرة على حياة السكان.
وخلال الجولة الميدانية استمعت إلى عدد من القصص التي رواها مواطنون عن معاناتهم مع هذه الألغام وكيف تحولت أراض زراعية كانت مصدر رزق لعائلات كاملة إلى مناطق خطرة لا يستطيع أحد الاقتراب منها.
كما تحدثت مع بعض الأهالي عن الصعوبات التي واجهوها في التنقل بين القرى، وعن الحوادث التي أودت بحياة مدنيين أو تسببت في إصابات دائمة، كانت تلك الشهادات كافية لإدراك أن الألغام ليست مجرد بقايا حرب بل أزمة إنسانية مستمرة تؤثر في حياة الناس حتى بعد توقف المعارك.
وخلال الزيارة اطلعت على عدد من الألغام والذخائر التي تمكنت فرق "مسام" من انتزاعها من مناطق مختلفة، رؤية هذه المتفجرات عن قرب تجعل الإنسان يدرك حجم الخطر الذي كان يحيط بالسكان، كما تعكس حجم المسؤولية التي تتحملها الفرق الميدانية أثناء تعاملها مع هذه المواد شديدة الخطورة.
ما لفت انتباهي أيضا هو الروح الإيجابية التي يتحلى بها العاملون في المشروع رغم طبيعة عملهم الشاقة، فقد وجدت بينهم إيمانا كبيرا بأن ما يقومون به هو رسالة إنسانية قبل أن يكون وظيفة، وأن كل مهمة ناجحة تمثل خطوة نحو إعادة الأمن والاستقرار للمجتمعات المحلية.
ومن خلال اللقاءات التي أجريتها اتضح أن نتائج المشروع لا تقتصر على إزالة الألغام فحسب، بل تمتد إلى المساهمة في دعم التنمية وإعادة الحياة الطبيعية إلى المناطق المتضررة، فتطهير الأراضي يتيح للمزارعين العودة إلى حقولهم، ويمكن الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية من تنفيذ مشاريع خدمية وتنموية كما يساعد على إعادة فتح الطرق وتأمين حركة المواطنين.
خرجت من هذه الزيارة بانطباع مختلف و صورة أكثر عمقا وواقعية وأدركت أن إزالة الألغام ليست مجرد عملية هندسية، بل عمل إنساني يرتبط بحياة الناس ومستقبلهم ويسهم في إعادة الأمل إلى آلاف الأسر اليمنية.
وفي ختام زيارتي إلى مشروع "مسام" في عدن وتعز أستطيع القول إن ما شاهدته يعكس حجم الجهود الكبيرة التي تبذل لحماية المدنيين والتخفيف من آثار الحرب، كما لمست مستوى عاليًا من المهنية والالتزام لدى فرق المشروع التي تعمل في ظروف بالغة الصعوبة من أجل تحقيق هدف إنساني نبيل.
وستظل هذه الزيارة من التجارب المهنية التي رسخت لدي قناعة بأن إزالة الألغام تمثل الخطوة الأولى نحو إعادة بناء الإنسان والمكان، وأن كل لغم يتم انتزاعه هو فرصة جديدة للحياة ورسالة أمل لمستقبل أكثر أمنًا واستقرارا لليمن.



