واشنطن تدفع نحو سلام لبناني-إسرائيلي منفرد.. وباحث يحذر من تجاهل تعقيدات الإقليم

اعتبر الباحث في شؤون الشرق الأوسط الدكتور بكير أتاجان، أن الطروحات الأمريكية الداعية إلى إبرام اتفاق سلام منفرد بين لبنان وإسرائيل تعكس رؤية لإعادة هندسة النظام الإقليمي أكثر من كونها مشروعًا قابلاً للتنفيذ في المدى القريب، مشيرًا إلى أن نجاح أي تسوية من هذا النوع يظل مرهونًا بتوافر بيئة سياسية وأمنية وإقليمية معقدة لا تبدو مكتملة في المرحلة الراهنة.
وجاءت تصريحات أتاجان في معرض قراءته لتقرير صادر عن معهد الشرق الأوسط في واشنطن بعنوان "النصر التالي لأميركا هو إبرام سلام منفرد بين لبنان وإسرائيل"، والذي طرح الاتفاق المحتمل باعتباره أحد أبرز الإنجازات التي يمكن للإدارة الأمريكية تحقيقها في الشرق الأوسط، بما يعزز نفوذها السياسي والاستراتيجي في المنطقة.
رؤية أمريكية
وأوضح الباحث، في تصريحات لـ"النهار"، أن التقرير ينطلق من فرضية تعتبر أن اتفاقًا لبنانيًا-إسرائيليًا لن يقتصر أثره على إنهاء أحد أقدم ملفات الصراع، بل سيعيد رسم موازين القوى في المشرق، ويمنح الولايات المتحدة فرصة لإعادة ترتيب شبكة التحالفات الإقليمية في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة.
وأشار إلى أن القراءة الأمريكية تتجاوز معالجة العلاقة الثنائية بين بيروت وتل أبيب، لتصل إلى إعادة تعريف موقع لبنان داخل النظام الإقليمي، وفصل مساره السياسي عن الإطار العربي الذي ربط تاريخيًا أي تسوية شاملة بحل القضية الفلسطينية وفق قرارات الشرعية الدولية ومبدأ حل الدولتين.
عقبات إقليمية
ورأى أتاجان أن هذا الطرح يصطدم بجملة من المواقف الإقليمية الثابتة، لافتًا إلى أن دولًا مؤثرة، وفي مقدمتها السعودية ومصر وتركيا، لا تزال تربط أي تطبيع شامل أو سلام دائم مع إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وهو ما يجعل دفع لبنان نحو اتفاق منفرد أكثر تعقيدًا من مجرد تفاهمات ثنائية.
وأضاف أن التقرير، الذي شارك في إعداده السفير الأمريكي السابق لدى لبنان ديفيد هيل إلى جانب أكاديميين لبنانيين، يضع ثلاثة شروط رئيسية لإنجاز هذا المسار، تتمثل في بناء دولة لبنانية ذات سيادة كاملة، وإنهاء الصراع اللبناني الإسرائيلي بصورة نهائية، وتفكيك حزب الله باعتباره أحد أبرز مكونات محور المقاومة.
إشكالية السيادة
وأكد الباحث أن مفهوم السيادة الوارد في التقرير يحتاج إلى تعريف أكثر دقة، موضحًا أن السيادة لا تعني فقط حصر السلاح بيد الدولة، بل تشمل أيضًا امتلاك الدولة القدرة العسكرية والسياسية والاقتصادية التي تمكنها من حماية أراضيها واستقلال قرارها الوطني، وهو ما ينسجم مع المبادئ التي يقرها القانون الدولي.
وأضاف أن إنهاء الصراع اللبناني الإسرائيلي لا يرتبط بالإرادة اللبنانية وحدها، بل يتداخل مع ملفات الحدود، والأراضي التي يعتبرها لبنان محتلة، وآليات تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، إلى جانب استمرار الصراعات المفتوحة في فلسطين وسوريا واليمن والتوتر القائم بين إسرائيل وإيران.
مستقبل حزب الله
وفي ما يتعلق بطرح تفكيك حزب الله، اعتبر أتاجان أن معالجة التنظيم بمعزل عن البيئة التي أفرزته تمثل مقاربة غير مكتملة، موضحًا أن تجارب المنطقة أظهرت أن الحركات المسلحة غالبًا ما تنشأ نتيجة ظروف سياسية وأمنية معقدة، وأن إزالة التنظيمات دون معالجة الأسباب البنيوية قد تؤدي إلى إعادة إنتاج الظاهرة بأشكال جديدة.
وأشار إلى أن التقرير لا يجيب بصورة واضحة عن مدى استعداد إسرائيل نفسها لإبرام سلام دائم، في ظل استمرار الخلافات الحدودية، والعمليات العسكرية الإسرائيلية في أكثر من جبهة، والحرب المستمرة في قطاع غزة، إلى جانب الانقسامات السياسية الداخلية بشأن قضايا الأمن والحدود ومستقبل الأراضي الفلسطينية.
حسابات واشنطن
وبيّن الباحث أن الولايات المتحدة تنظر إلى الملف اللبناني باعتباره جزءًا من مشروع أشمل لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية بعد سنوات من التحولات الكبرى، بحيث يشكل أي اتفاق محتمل نموذجًا يمكن البناء عليه لإعادة تشكيل التحالفات وتقليص نفوذ القوى المناوئة لواشنطن.
إلا أنه شدد على أن البيئة الإقليمية الحالية تختلف جذريًا عن تلك التي أُبرمت فيها اتفاقيات السلام السابقة، سواء من حيث تعدد الفاعلين غير الدولتيين، أو تشابك ملفات الأمن والطاقة والاقتصاد، أو تصاعد المنافسة بين القوى الدولية، الأمر الذي يجعل فرص الوصول إلى تسويات منفردة أكثر تعقيدًا.
سلام مؤجل
وخلص أتاجان إلى أن التقرير يعكس تصورًا أمريكيًا لإعادة رسم المشهد الإقليمي انطلاقًا من الساحة اللبنانية، لكنه يثير أسئلة أكثر مما يقدم حلولًا عملية، مؤكدًا أن نجاح أي مشروع سلام لا يعتمد على الضغوط الدبلوماسية الأمريكية وحدها، وإنما يتطلب توافقًا سياسيًا داخليًا، وبيئة إقليمية مستقرة، وتسوية عادلة للنزاعات القائمة.
وأضاف أن الحديث عن "النصر التالي" لواشنطن يبقى، في ظل الظروف الراهنة، أقرب إلى رؤية استراتيجية تستشرف مستقبل المنطقة، أكثر من كونه مشروعًا سياسيًا تتوافر له مقومات التنفيذ الفعلي، في ظل استمرار تعقيدات الصراع العربي الإسرائيلي وتشابك الملفات الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط.

