النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

باحث لـ”النهار”: إسرائيل أسيرة مقاربة أمنية تزداد كلفتها وتفقد تدريجيًا قدرتها على مواكبة التحولات

نتنياهو وزامير - أرشيفية
عبدالرحمن كمال -

أكد الخبير الاستراتيجي والباحث السياسي الفلسطيني الدكتور محمد خليل مصلح أن المشهد الإقليمي يشهد حالة من "الترابط البنيوي" غير المسبوقة، حيث أصبحت تطورات قطاع غزة مرتبطة بصورة مباشرة بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية، وبالأزمات السياسية والعسكرية المتفاقمة داخل إسرائيل، ما أوجد حالة من "الانسداد الاستراتيجي" التي تعيق قدرة تل أبيب على تحقيق أهدافها العسكرية والسياسية.

وأوضح مصلح، في تصريحات لـ"النهار"، أن الأزمة لم تعد تقتصر على ساحة القتال في غزة، بل امتدت إلى مستويات دبلوماسية وإقليمية وداخلية، انعكست على بنية النظام السياسي الإسرائيلي، وأضعفت قدرته على إنتاج استراتيجية أمنية متماسكة في ظل تصاعد الضغوط الخارجية والانقسامات الداخلية.

تدويل ملف غزة

وأشار مصلح إلى أن أحد أبرز التحولات يتمثل في سعي حركة حماس إلى إعادة تموضعها كفاعل سياسي وعسكري ذي امتداد إقليمي، عبر التخلي عن الأعباء الإدارية والخدمية في قطاع غزة، والتركيز على تثبيت موقعها ضمن معادلات التفاوض الإقليمي.

وأضاف أن ربط ملف غزة بالمفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران يمثل محاولة لإخراج القضية من الإطار الأمني الإسرائيلي الضيق، وتحويلها إلى ورقة تفاوض إقليمية، بما يمنح الحركة مظلة سياسية أوسع ويجعل مستقبل القطاع جزءًا من التفاهمات الإقليمية والدولية.

ورأى أن هذه المقاربة ترفع كلفة أي تحرك عسكري إسرائيلي يستهدف البنية العسكرية للمقاومة، بعدما أصبحت التطورات في غزة مرتبطة بملفات تتجاوز الحدود الفلسطينية، وتشمل أمن المنطقة ومسارات التفاوض بين القوى الدولية والإقليمية.

مأزق المناطق العازلة

وفي المقابل، اعتبر مصلح أن الرؤية الإسرائيلية القائمة على الإبقاء على "المناطق الأمنية العازلة" في غزة وجنوب لبنان وسوريا تواجه تحديات متزايدة، في ظل تغير البيئة الإقليمية وتراجع هامش الحركة أمام الحكومة الإسرائيلية.

وأوضح أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تقليص الانخراط العسكري المباشر وتحقيق اختراقات سياسية في المنطقة، وهو ما يتعارض مع توجهات حكومة بنيامين نتنياهو الرامية إلى إطالة أمد الصراع وتعزيز الوجود العسكري في عدة جبهات.

وأضاف أن المشهد الإقليمي لم يعد يسمح لإسرائيل بحرية المناورة السابقة، في ظل الحضور التركي المتنامي في الساحة السورية، واستراتيجية المحور الإيراني القائمة على استنزاف إسرائيل وتجنب الانجرار إلى مواجهة شاملة، الأمر الذي يقلص فرص فرض وقائع جديدة بالقوة العسكرية.

أزمة داخلية

وأشار الباحث الفلسطيني إلى أن التحدي الأخطر الذي تواجهه إسرائيل يتمثل في التناقض المتزايد بين متطلبات الحرب وحسابات البقاء السياسي للحكومة الحالية.

وأوضح أن استمرار العمليات العسكرية وحماية المناطق العازلة يتطلبان تعزيز القدرات البشرية للجيش، في وقت تمضي فيه حكومة نتنياهو نحو تمرير ترتيبات تعفي أعدادًا كبيرة من الحريديم من الخدمة العسكرية، حفاظًا على تماسك الائتلاف الحاكم.

وأكد أن هذه المعادلة أفرزت أزمة مزدوجة، تتمثل في اتساع النقص في القوى البشرية داخل الجيش، إلى جانب تعميق الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية والمجتمع الإسرائيلي، بما ينعكس سلبًا على كفاءة القوات المسلحة وقدرتها على مواصلة حرب الاستنزاف على أكثر من جبهة.

تصدع المؤسسة العسكرية

ولفت مصلح إلى أن الخلافات المتصاعدة بين القيادة العسكرية والقيادة السياسية باتت تعكس أزمة بنيوية داخل منظومة صنع القرار الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن المؤسسة العسكرية تحذر من نقص متزايد في أعداد الجنود، في وقت تواصل فيه الحكومة تقديم اعتبارات الائتلاف السياسي على المتطلبات الأمنية.

وأضاف أن استمرار إعفاء الحريديم من التجنيد في ظل الحرب يهدد ما وصفه بـ"العقد الاجتماعي" الذي قام عليه الجيش الإسرائيلي، ويزيد من حالة الاحتقان داخل قوات الاحتياط، التي تمثل العمود الفقري للقدرات العسكرية الإسرائيلية.

انسداد استراتيجي

وخلص مصلح إلى أن إسرائيل تواجه اليوم مأزقًا مركبًا، يتمثل في تمسك الحكومة بخيارات أمنية تعتمد على القوة العسكرية، مقابل تراجع قدرتها على توفير الأدوات البشرية والسياسية اللازمة لتنفيذ هذه الاستراتيجية.

وأوضح أن إصرار اليمين الإسرائيلي على رفض أي تسويات سياسية أو تفاوضية، خشية انهيار الائتلاف الحاكم، يقابله تآكل تدريجي في بنية الدولة ومؤسساتها العسكرية، الأمر الذي يحول الحرب إلى استنزاف طويل الأمد دون تحقيق حسم سياسي أو ميداني.

وأكد أن هذا الانسداد الداخلي يمثل، في تقديره، أحد أبرز نقاط الضعف التي تستثمرها القوى الإقليمية والفلسطينية، في وقت تتجه فيه المنطقة نحو إعادة تشكيل توازناتها السياسية والأمنية، بينما تبقى إسرائيل، وفق تعبيره، أسيرة مقاربة أمنية تقليدية تزداد كلفتها مع مرور الوقت، وتفقد تدريجيًا قدرتها على مواكبة التحولات الإقليمية والدولية.