النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

إسرائيل بين القوة العسكرية والعزلة الإقليمية... هل بدّد نتنياهو فرصة الاندماج الاقتصادي؟

يرى أتاجان أن حكومة نتنياهو أضاعت فرصة استراتيجية كانت كفيلة بدمج إسرائيل في النظام الإقليمي الجديد
عبدالرحمن كمال -

يرى الباحث في شؤون الشرق الأوسط، الدكتور بكير أتاجان، أن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ربما أضاعت فرصة استراتيجية كانت كفيلة بدمج إسرائيل في النظام الإقليمي الجديد، بعد أن غلبت المقاربة العسكرية على مسار التسويات السياسية التي كانت تمهد لإعادة تشكيل خريطة التعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط، محذراً من أن استمرار الحرب يدفع القوى الإقليمية والدولية إلى البحث عن بدائل تقلل الاعتماد على المسار الإسرائيلي.

وأوضح أتاجان، في تصريحات لـ"النهار"، أن مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، الذي أُعلن عنه خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي عام 2023، نقل المنافسة الدولية في المنطقة من نطاق الأمن والطاقة إلى سباق السيطرة على الممرات التجارية وسلاسل الإمداد والبنية التحتية، باعتباره أحد المشاريع التي تستهدف إعادة رسم الجغرافيا الاقتصادية الممتدة بين آسيا وأوروبا في مواجهة المبادرات الصينية.

وأضاف أن هذا المشروع كان يمنح إسرائيل فرصة غير مسبوقة للتحول إلى مركز لوجستي إقليمي عبر ميناء حيفا، بما يرسخ اندماجها الاقتصادي في المنطقة، إلا أن نجاح هذا المسار كان مشروطاً بتوفير بيئة سياسية مستقرة وإنهاء الصراع، وهو ما ارتبط بالمبادرات التي تضمنت إنهاء الحرب في غزة، وإطلاق عملية تبادل للأسرى، ودوراً عربياً في إدارة القطاع، إلى جانب مسار سياسي يقود إلى قيام دولة فلسطينية وتطبيع أوسع مع السعودية.

خيارات نتنياهو

واعتبر الباحث أن رفض حكومة نتنياهو لهذه الصيغة لم يكن مجرد موقف تفاوضي، بل قراراً استراتيجياً أعاد صياغة الحسابات الإقليمية، إذ راهنت الحكومة الإسرائيلية على أن تفوقها العسكري يسمح بفرض الوقائع دون تقديم تنازلات سياسية، في وقت كانت فيه معظم القوى الإقليمية تنظر إلى الاستقرار السياسي باعتباره الشرط الأساسي لإنجاح مشاريع الربط الاقتصادي العملاقة.

وأشار إلى أن هذا التحول دفع إلى تصاعد الاهتمام بمسارات لوجستية بديلة، عبر تعزيز دور تركيا كمركز يربط آسيا بأوروبا، وتوسيع الممرات الممتدة نحو القوقاز وآسيا الوسطى، مع منح سوريا، في حال استقرارها، دوراً محتملاً في أي شبكة إقليمية جديدة، موضحاً أن ذلك لا يعني استبعاد إسرائيل بالكامل، وإنما يعكس توجهاً لتنويع الخيارات الاستراتيجية وعدم ربط مستقبل التجارة الإقليمية بمسار واحد.

كلفة الحرب

ولفت أتاجان إلى أن الحرب كشفت محدودية تحويل التفوق العسكري إلى مكاسب استراتيجية طويلة الأمد، موضحاً أن إسرائيل حققت مكاسب ميدانية، لكنها دفعت في المقابل أثماناً سياسية واقتصادية ودبلوماسية متزايدة، تمثلت في تراجع صورتها الدولية، واتساع النقاشات داخل الولايات المتحدة وأوروبا بشأن حدود الدعم السياسي والعسكري، إضافة إلى تصاعد الضغوط المرتبطة بالقانون الدولي والاعتبارات الإنسانية.

وأكد أن الخلاف القائم بين واشنطن وتل أبيب لا يتعلق بأهمية إسرائيل بالنسبة للسياسة الأمريكية، وإنما بطريقة إدارة العلاقة ومدى انسجام السياسات الإسرائيلية مع المصالح الأمريكية الأوسع، خاصة ما يرتبط باحتواء الصين، وتأمين الممرات الاقتصادية، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي.

تحولات إقليمية

وبيّن الباحث أن استمرار الحرب يرفع كلفة الأمن ويؤثر سلباً في بيئة الاستثمار ويؤخر مشاريع الربط الاقتصادي، في حين يدفع دول المنطقة إلى تسريع البحث عن بدائل أكثر استقراراً، مشيراً إلى أن السعودية وتركيا ومصر برزت باعتبارها القوى الأكثر قدرة على التأثير في هندسة النظام الإقليمي الجديد، من خلال توظيف ثقلها الاقتصادي وموقعها الجغرافي ومشاريعها الاستراتيجية.

وأوضح أن أحداث السابع من أكتوبر مثلت نقطة تحول عطلت مساراً كان يستهدف دمج إسرائيل في شبكة اقتصادية إقليمية واسعة، وأعادت الشرق الأوسط إلى مرحلة يغلب عليها المنطق الأمني والعسكري على حساب التكامل الاقتصادي.

وختم أتاجان بالقول إن التحدي الحقيقي أمام إسرائيل لم يعد يقتصر على الحفاظ على تفوقها العسكري، بل بات يتمثل في قدرتها على تحويل هذا التفوق إلى شرعية إقليمية مستدامة وجذب الاستثمارات والاندماج في نظام اقتصادي جديد، مؤكداً أن مستقبل النفوذ في المنطقة سيقاس بقدرة الدول على بناء منظومات تعاون تجعل السلام أكثر جدوى من استمرار الصراع، وليس بالقدرة العسكرية وحدها.