النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

العويوي لـ”النهار”: الانتخابات الفلسطينية مدخل لتجديد الشرعية وبناء عقد سياسي جديد

الانتخابات الفلسطينية المقبلة يجب ألا تُفهم بوصفها مجرد استحقاق دستوري لتجديد الشرعية، وفق "العويوي"
عبدالرحمن كمال -

أكد الأكاديمي والباحث السياسي الفلسطيني الدكتور أسعد العويوي، أن الانتخابات الفلسطينية المقبلة يجب ألا تُفهم بوصفها مجرد استحقاق دستوري لتجديد الشرعية، بل باعتبارها فرصة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتأسيس عقد سياسي جديد يعيد صياغة العلاقة بين المواطن ومؤسساته على أسس ديمقراطية وتشاركية.

وقال العويوي، في تصريحات لـ"النهار"، إن غياب الانتخابات طوال سنوات طويلة جعل القضية تتجاوز البعد الإجرائي، لتصبح مرتبطة بجوهر الشرعية السياسية وقدرة المؤسسات على تمثيل الشعب الفلسطيني في ظل التحديات الداخلية والخارجية المتصاعدة، مشيرًا إلى أن استمرار تعطيل الاحتكام إلى صناديق الاقتراع أسهم في اتساع الفجوة بين المجتمع ومؤسساته، وأضعف ثقة المواطنين بالعملية السياسية.

أزمة بنيوية

وأوضح أن النظام السياسي الفلسطيني نشأ في سياق وطني استثنائي تداخلت فيه شرعية الثورة مع شرعية المؤسسات، غير أن هذا التداخل تحول مع مرور الوقت إلى إشكالية بنيوية، خصوصًا بعد قيام السلطة الفلسطينية دون اكتمال الانتقال إلى نظام دستوري وسياسي مستقر.

وأضاف أن الانقسام الفلسطيني كشف هشاشة هذا البناء، مؤكدًا أن الأزمة لم تكن مجرد خلاف بين فصيلين، بل تعبيرًا عن إشكاليات أعمق تتعلق بطبيعة النظام السياسي وتوزيع السلطة وآليات إدارة الاختلاف الوطني.

الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط

وشدد العويوي على أن اختزال الأزمة الفلسطينية في غياب الانتخابات وحده ينطوي على تبسيط مخل، موضحًا أن الانتخابات، مهما بلغت أهميتها، تبقى أداة ضمن منظومة ديمقراطية متكاملة تشمل حرية الرأي والتنظيم، واستقلال القضاء، وحياد المؤسسات، وقبول جميع الأطراف بنتائج العملية السياسية.

وأشار إلى أن التجربة الفلسطينية أثبتت أن التحدي الحقيقي لم يكن يومًا في القدرة على تنظيم الانتخابات، بل في القدرة على إدارة نتائجها واحترام إرادة الناخبين بعد انتهاء عملية التصويت.

الاحتلال والانقسام

ولفت إلى أن الشرعية الوطنية تواجه تحديًا لا يقل خطورة عن تراجع الشرعية الديمقراطية، في ظل ما وصفه بمحاولات الاحتلال الإسرائيلي إضعاف البنية السياسية الفلسطينية ومنعها من التطور الطبيعي عبر السيطرة على القدس، وفرض القيود على الحركة، واعتقال المرشحين والناشطين، والتدخل في البيئة السياسية.

واعتبر أن الاحتلال لا يمكن أن يكون التفسير الوحيد لتعثر الحياة الديمقراطية الفلسطينية، مؤكدًا وجود مسؤولية فلسطينية داخلية تتمثل في استمرار الانقسام، وتعطيل المؤسسات، وتأجيل الانتخابات، وتغليب الحسابات الفصائلية على المصلحة الوطنية.

فجوة الأجيال

وحذر العويوي من اتساع المسافة بين الأجيال الجديدة والسياسة، مشيرًا إلى أن جيلًا كاملًا نشأ من دون أن يشارك في أي انتخابات عامة أو يعايش تجربة تداول السلطة، ما أدى إلى تراجع الثقة بالمؤسسات السياسية والنظر إليها بوصفها كيانات مغلقة لا تعكس تطلعات الشباب.

وأضاف أن هذا التآكل في الثقة لا يقل خطورة عن أي أزمة دستورية، لأن شرعية الأنظمة لا تقوم على النصوص وحدها، بل على اقتناع المواطنين بأنها تمثلهم وتحمي حقوقهم وتستمد سلطتها من إرادتهم الحرة.

عقد سياسي جديد

ودعا الباحث الفلسطيني إلى أن تكون الانتخابات المقبلة بداية لمسار إصلاحي أوسع يشمل مراجعة العلاقة بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، وتفعيل المؤسسات التمثيلية، وتجديد النخب السياسية، وتعزيز استقلال القضاء، وترسيخ ثقافة المساءلة والشفافية.

وأكد أن القضية الفلسطينية أكبر من أن تُدار بمنطق الغلبة أو الاحتكار السياسي، وأنها بحاجة إلى نظام يستوعب التعددية ويحّول الاختلاف إلى مصدر قوة لا إلى مدخل للانقسام.

"الحاجة اليوم ليست إلى انتخابات تُنتج سلطة جديدة فحسب، بل إلى انتخابات تؤسس لعقد سياسي جديد يعيد صياغة العلاقة بين المواطن ومؤسساته، ويؤكد أن مصدر الشرعية الوحيد هو الإرادة الشعبية الحرة".

فرصة تاريخية

ورأى العويوي أن الانتخابات، إذا أُحسن الإعداد لها والتعامل مع نتائجها، يمكن أن تشكل نقطة تحول تاريخية تعيد الاعتبار للديمقراطية الفلسطينية، وتمنح المؤسسات شرعية متجددة، وتؤسس لنظام سياسي أكثر قدرة على مواجهة تحديات الاحتلال والتحولات الإقليمية والدولية.

وختم بالقول إن الرهان الفلسطيني اليوم لا ينحصر في إجراء الانتخابات بحد ذاته، بل في القدرة على تحويلها إلى بوابة لإعادة بناء الشرعية، واستعادة الثقة، وتجديد المشروع الوطني على أسس ديمقراطية تليق بتضحيات الشعب الفلسطيني وطموحه في الحرية والاستقلال.