غزة بعد ألف يوم من الحرب.. إعادة إعمار أم إدارة أزمة؟

بعد مرور ألف يوم على اندلاع الحرب في قطاع غزة، لم يعد السؤال المطروح يتعلق فقط بموعد انتهاء المواجهة، بل بما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد إعادة إعمار حقيقية، أم ستقتصر على إدارة أزمة إنسانية وسياسية ممتدة.
فعلى الرغم من التحركات الدولية والحديث المتكرر عن خطط الإغاثة وإعادة البناء، لا يزال الواقع الميداني يعكس حجم هائل من الدمار، في ظل استمرار تعثر إدخال مواد الإعمار، والأزمات المرتبطة بالخدمات الأساسية والبنية التحتية.
ويرى الدكتور أحمد رفيق عوض، رئيس مركز الدراسات المستقبلية بجامعة القدس، أن قطاع غزة لا يعيش مرحلة ما بعد الحرب بالمعنى التقليدي، وإنما يمر بمرحلة "إدارة أزمة" متعددة المستويات، موضحاً أن إعادة الإعمار ليست مجرد عملية هندسية لإزالة الركام وبناء المنازل، وإنما عملية سياسية واقتصادية وأمنية تحتاج إلى توافقات إقليمية ودولية لم تتبلور حتى الآن.
ويؤكد عوض أن استمرار الخلافات بشأن شكل الإدارة المستقبلية للقطاع، وآليات الإشراف على إعادة الإعمار، إضافة إلى القيود المفروضة على المعابر وإدخال المواد اللازمة للبناء، كلها عوامل تجعل الحديث عن إعادة إعمار شاملة سابقاً لأوانه، في وقت ما تزال فيه الأولوية لدى مئات الآلاف من الفلسطينيين تتمثل في توفير الغذاء والمياه والكهرباء والمأوى والرعاية الصحية.
وأضاف أن المشهد الحالي يعكس انتقال الأزمة من مرحلة العمليات العسكرية الواسعة إلى مرحلة أكثر تعقيداً ، عنوانها إدارة التداعيات الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، لافتاً إلى أن آثار الحرب لن تقتصر على المباني المدمرة، وإنما تمتد إلى الاقتصاد والتعليم وسوق العمل والنسيج الاجتماعي، وهو ما يجعل عملية التعافي تحتاج إلى سنوات طويلة واستثمارات ضخمة واستقرار سياسي وأمني مستدام.
وأشار رئيس مركز الدراسات المستقبلية بجامعة القدس إلى أن أي خطة لإعادة إعمار غزة لن تنجح إذا لم ترتبط بحل سياسي يضمن وقف دائم للحرب، ويمنح السكان شعور بالاستقرار، مؤكداً أن إعادة بناء الإنسان لا تقل أهمية عن إعادة بناء الحجر، في ظل ما خلفته الحرب من آثار نفسية واجتماعية عميقة، خاصة بين الأطفال والشباب.
ويرى عوض أن المجتمع الدولي يقف اليوم أمام اختبار حقيقي؛ فإما الانتقال من مرحلة إدارة المساعدات الإنسانية إلى إطلاق مشروع متكامل لإعادة إعمار القطاع، أو استمرار التعامل مع غزة باعتبارها أزمة إنسانية مفتوحة تتلقى مساعدات محدودة دون معالجة جذور المشكلة.
وبعد ألف يوم من الحرب، تبدو غزة أمام مفترق طرق حاسم؛ فبين ركام المدن، واستمرار المعاناة الإنسانية، وتعثر الحلول السياسية، يبقى مستقبل القطاع مرهون بقدرة الأطراف الفاعلة على الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة حل دائم، يفتح الباب أمام إعادة الإعمار والتنمية، ويمنح سكان غزة فرصة حقيقية لاستعادة حياتهم بعد واحدة من أكثر الحروب قسوة في تاريخ القطاع.

