النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

الانتخابات الفلسطينية أمام اختبار الشرعية وتجديد النظام السياسي في ظل تحديات الحرب

اختتمت الورقة بالتأكيد على أن الانتخابات الفلسطينية لن تكون حلاً تلقائياً للأزمة
عبدالرحمن كمال -

أكدت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد"، في تقدير موقف استراتيجي أعدّه رئيسها د. صلاح عبد العاطي، أن الانتخابات الفلسطينية المقبلة لم تعد مجرد استحقاق دستوري لتجديد المؤسسات، بل تحولت إلى محطة مفصلية في معركة إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وحماية المشروع الوطني، في ظل الحرب المستمرة على قطاع غزة، وتصاعد سياسات الاحتلال الهادفة إلى إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني سياسياً وجغرافياً.

وأوضح "عبدالعاطي" في تقديره، أن الاستحقاق الانتخابي يرتبط مباشرة بمستقبل القضية الفلسطينية، في وقت تتزايد فيه محاولات الاحتلال الإسرائيلي تكريس الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية، وتحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى ملف إنساني وإداري، ضمن ترتيبات تتعلق بما يسمى "اليوم التالي" للحرب.

بيئة استثنائية

ترى الورقة أن الانتخابات ستجري في بيئة سياسية غير مسبوقة، تحكمها ثلاثة عوامل رئيسية، تتمثل في استمرار العدوان الإسرائيلي وما خلفه من كارثة إنسانية في قطاع غزة، وتصاعد مشاريع الضم والاستيطان والتهويد في الضفة الغربية والقدس المحتلة، إلى جانب التحركات الإقليمية والدولية لإعادة ترتيب المشهد الفلسطيني بما يخدم اعتبارات أمنية واقتصادية، بعيداً عن معالجة جذور الصراع وإنهاء الاحتلال.

وأكدت أن هذه الظروف تجعل الانتخابات جزءاً من معركة الدفاع عن الهوية الوطنية الفلسطينية، وليس مجرد عملية إجرائية لتجديد المؤسسات الدستورية.

فرصة ومخاطرة

وبحسب التقدير، تمثل الانتخابات فرصة لإعادة بناء الشرعية الشعبية، وتجديد المؤسسات، وإشراك الشباب والنساء والكفاءات الوطنية في صناعة القرار، وإنهاء حالة الجمود التي أصابت النظام السياسي خلال السنوات الماضية.

في المقابل، حذرت الورقة من أن تتحول الانتخابات إلى مجرد آلية لإعادة إنتاج البنية السياسية القائمة، أو إعادة توزيع المواقع داخل السلطة الفلسطينية، بما يمنح شرعية جديدة لأزمة سياسية عميقة من دون إحداث إصلاح حقيقي في بنية النظام ووظيفته الوطنية.

أزمة بنيوية

وأكدت الورقة أن الأزمة الفلسطينية لا تقتصر على غياب الانتخابات، وإنما تمتد إلى طبيعة النظام السياسي الذي نشأ بعد اتفاق أوسلو باعتباره مرحلة انتقالية، ثم تحول إلى واقع دائم من دون تحقيق الدولة الفلسطينية أو إنهاء الاحتلال.

وأشارت إلى أن هذا الواقع أفرز أزمات متراكمة، أبرزها أزمة الشرعية، والانقسام السياسي والجغرافي، وضعف التمثيل الوطني، وتراجع تجديد النخب، إضافة إلى استمرار الجدل حول وظيفة السلطة الفلسطينية بين إدارة السكان تحت الاحتلال أو قيادة مشروع التحرر الوطني.

تحديات المسار الانتخابي

ورأت الورقة أن الديمقراطية لا يمكن اختزالها في صندوق الاقتراع، مؤكدة أن نجاح الانتخابات يتطلب توفير بيئة سياسية وقانونية تضمن الحريات العامة، واستقلال القضاء، وحرية العمل السياسي والإعلامي، وتكافؤ الفرص بين جميع القوى، واحترام نتائج الانتخابات.

كما حذرت من أن إجراء الانتخابات في ظل استمرار القيود السياسية والأمنية قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بدلاً من معالجتها، خاصة مع بقاء أدوات القرار الفعلية خارج نطاق المؤسسات المنتخبة.

وفي قراءتها للمرسوم الانتخابي، اعتبرت الورقة أن الاتجاه نحو إجراء انتخابات تشريعية منفصلة عن الانتخابات الرئاسية قد ينتج شرعية جزئية لمؤسسة واحدة، من دون معالجة أزمة شرعية بقية المؤسسات الدستورية، أو إعادة تنظيم العلاقة بين الرئاسة والحكومة والمجلس التشريعي ومنظمة التحرير الفلسطينية.

تعديلات تحتاج رؤية

ورحبت الورقة بالتعديلات التي شملت رفع تمثيل المرأة، وخفض سن الترشح والاقتراع، وزيادة فرص مشاركة الشباب، وخفض نسبة الحسم، ورفع عدد أعضاء المجلس التشريعي، معتبرة أنها خطوات إيجابية لتوسيع المشاركة السياسية.

إلا أنها نبهت إلى أن هذه الإصلاحات قد تتحول إلى عامل إضافي لتفتيت الخارطة السياسية إذا لم تستند إلى رؤية وطنية شاملة، بما قد يصعب تشكيل أغلبيات مستقرة داخل المجلس التشريعي.

إعادة بناء النظام

وشددت الورقة على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إجراء الانتخابات فقط، وإنما في طبيعة المشروع السياسي الذي ستنتجه، مؤكدة أن إعادة بناء النظام السياسي تختلف جذرياً عن مجرد إعادة ترتيب مؤسساته أو توزيع المناصب داخله.

كما أكدت أن المجلس التشريعي لا يمكنه وحده معالجة أزمة التمثيل الوطني، لأن منظمة التحرير الفلسطينية تبقى الإطار الجامع للفلسطينيين في الوطن والشتات، ما يستوجب إصلاحها وتطوير آليات مشاركة الفلسطينيين خارج الأراضي المحتلة عبر وسائل انتخابية حديثة وآمنة.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

ورصدت الورقة أربعة سيناريوهات محتملة، تشمل إجراء انتخابات تشريعية منفردة وفق المسار الحالي، أو تنظيم انتخابات وطنية شاملة ومتزامنة، أو تأجيل الانتخابات، أو إجراء انتخابات منقوصة في حال تعذر مشاركة القدس أو قطاع غزة أو ضعف مشاركة الفلسطينيين في الخارج.

ورجحت أن يبقى سيناريو الانتخابات التشريعية المنفردة هو الأقرب للتحقق، مع تأكيدها أن هذا الخيار لن يعالج الأزمة البنيوية للنظام السياسي، بينما يظل الخيار الوطني الأمثل إجراء انتخابات شاملة تعيد بناء الشرعية على مختلف المستويات.

خارطة طريق

ودعت الورقة إلى إطلاق حوار وطني شامل يسبق العملية الانتخابية، يعالج قضايا إنهاء الانقسام، وإصلاح منظمة التحرير، وتعريف وظيفة السلطة الفلسطينية، وصياغة برنامج وطني موحد لمواجهة الاحتلال.

كما طالبت بضمانات سياسية وقانونية تشمل وقف الاعتقالات السياسية، وحماية الحريات العامة، واستقلال القضاء، واحترام نتائج الانتخابات، وضمان نزاهة العملية الانتخابية عبر رقابة وطنية ودولية، ومنع استخدام موارد السلطة في المنافسة الانتخابية.

وأكدت أهمية أن تتحول الانتخابات إلى منافسة بين البرامج والرؤى الوطنية، بما يركز على قضايا إنهاء الاحتلال، وإعادة إعمار قطاع غزة، وحماية القدس، والإصلاح الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وصون الحقوق والحريات.

واختتمت الورقة بالتأكيد على أن الانتخابات الفلسطينية لن تكون حلاً تلقائياً للأزمة، لكنها قد تتحول إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء الشرعية الوطنية وتجديد النظام السياسي إذا ارتبطت بإصلاحات حقيقية ورؤية وطنية شاملة، محذرة من أن إجراء انتخابات شكلية لا تغير قواعد إنتاج القرار سيبقي الأزمة قائمة، بينما تمثل الانتخابات الشاملة فرصة لتعزيز الوحدة الوطنية وحماية القضية الفلسطينية في مواجهة مشاريع التفكيك وإعادة الهندسة السياسية.