النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

ضغوط ترامب تعيد اختبار أوروبا.. تحولات أمنية واقتصادية تدفع القارة لإعادة رسم توازناتها

ترامب مع قادة أوروبا - أرشيفية
عبدالرحمن كمال -

اعتبر الباحث التركي في شؤون الشرق الأوسط الدكتور بكير أتاجان، أن الخطاب الذي يتبناه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الحلفاء الأوروبيين كشف عن مرحلة جديدة من التحولات داخل المنظومة الغربية، بعدما أعاد طرح تساؤلات حول قدرة أوروبا على حماية أمنها في حال تراجع المظلة العسكرية الأمريكية.

وأوضح أتاجان، في تصريحات لـ"النهار"، أن الدول الأوروبية اعتمدت منذ نهاية الحرب الباردة على الضمانات الأمنية التي وفرتها واشنطن، وهو ما سمح لها بتوجيه جانب كبير من مواردها نحو التنمية الاقتصادية وبناء منظومات الرفاه الاجتماعي، إلا أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة، وفي مقدمتها الحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد التنافس الأمريكي الصيني، وعودة ترامب بخطاب أكثر تشددًا تجاه الحلفاء، دفعت أوروبا إلى مراجعة مفهومها للأمن القومي وإعادة تقييم اعتمادها العسكري على الولايات المتحدة.

وأضاف أن هذه المتغيرات وضعت العواصم الأوروبية أمام تحديات غير مسبوقة تتعلق بإعادة بناء قدراتها الدفاعية ورفع جاهزية جيوشها بما يتناسب مع طبيعة الحروب الحديثة.

تحديات متراكمة

وأشار الباحث التركي إلى أن القوى الأوروبية الكبرى، وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وهولندا، تواجه ضغوطًا متزايدة لرفع الإنفاق الدفاعي، وزيادة إنتاج الصناعات العسكرية، ومعالجة النقص في الذخائر والقدرات التصنيعية، بالتزامن مع الحاجة إلى تطوير الجيوش لمواكبة التحولات التكنولوجية التي فرضت الطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، والحرب الإلكترونية، والفضاء السيبراني كعناصر رئيسية في الصراعات الحديثة.

وأكد أن الصناعات الدفاعية الأوروبية تعاني بدورها من آثار سنوات طويلة من انخفاض الاستثمار العسكري مقارنة بحجم التحديات الأمنية التي تواجه القارة، الأمر الذي يفرض على الحكومات الأوروبية تسريع خطط إعادة هيكلة القطاع الدفاعي.

ورأى أن الضغوط العسكرية تتقاطع مع تحديات اقتصادية متنامية، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة، وتباطؤ معدلات النمو، وتراجع القدرة التنافسية لعدد من القطاعات الصناعية، خاصة في ألمانيا التي تواجه صناعاتها، ولا سيما السيارات والهندسة والكيماويات، تحديات مرتبطة بارتفاع تكاليف الإنتاج وتسارع التحولات التكنولوجية العالمية.

أزمات داخلية

وأوضح أتاجان أن المشهد الأوروبي لا يقتصر على التحديات الأمنية والاقتصادية، بل يمتد إلى أزمات ديموجرافية واجتماعية متفاقمة، تتمثل في ارتفاع متوسط الأعمار، وانخفاض معدلات المواليد، وتراجع حجم القوى العاملة، وهو ما يزيد الضغوط على أنظمة الضمان الاجتماعي وأسواق العمل.

وأضاف أن هذه التطورات تتزامن مع تصاعد الجدل السياسي حول قضايا الهجرة والاندماج والهوية الوطنية، بالتوازي مع تنامي نفوذ الأحزاب اليمينية والشعبوية في عدد متزايد من الدول الأوروبية، بما يعكس حالة استقطاب داخلي قد تؤثر في استقرار القارة خلال السنوات المقبلة.

وأشار إلى أن أوروبا تواجه كذلك تحديًا استراتيجيًا للحفاظ على مكانتها الصناعية في ظل الثورة الصناعية الرابعة، حيث أصبحت المنافسة العالمية ترتبط بسرعة الابتكار، والقدرة على تأمين سلاسل الإمداد، والسيطرة على المواد الخام الإستراتيجية، إلى جانب جذب الاستثمارات في مجالات التكنولوجيا المتقدمة وأشباه الموصلات والطاقة النظيفة.

صعود تركي

ورأى الباحث أن هذه التحولات دفعت العديد من الدول الأوروبية إلى إعادة النظر في علاقاتها مع تركيا، التي باتت تمثل، بحسب تقديره، شريكًا إستراتيجيًا يصعب تجاوزه في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.

وأوضح أن أنقرة لم تعد تُنظر إليها باعتبارها مجرد دولة مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي أو عضوًا في حلف شمال الأطلسي، بل أصبحت تمتلك عناصر قوة تتمثل في أحد أكبر جيوش الحلف، وقاعدة صناعية دفاعية متطورة، إلى جانب موقعها الجغرافي الذي يمنحها دورًا محوريًا في أمن البحر الأسود والبلقان وشرق المتوسط والشرق الأوسط، فضلًا عن حضورها في ملفات الطاقة والهجرة وممرات التجارة الدولية.

وأضاف أن عدداً من العواصم الأوروبية التي شهدت علاقاتها مع تركيا توترات خلال السنوات الماضية أصبحت اليوم تنظر إليها باعتبارها شريكًا لا غنى عنه في معادلات الأمن الإقليمي، وهو ما يعكس تغيرًا في موازين القوى الإقليمية والدولية.

مستقبل القارة

وأكد أتاجان أن روسيا ستبقى عنصرًا رئيسيًا في معادلة الأمن الأوروبي خلال المرحلة المقبلة، سواء استمرت المواجهة مع الغرب أو اتجهت الأطراف نحو صياغة نظام أمني جديد بعد انتهاء الحرب في أوكرانيا، مشيرًا إلى أن الجغرافيا السياسية تجعل العلاقة بين أوروبا وموسكو عاملًا حاسمًا في مستقبل الأمن الإقليمي.

واعتبر أن الاتحاد الأوروبي لا يقف أمام خطر الانهيار، لكنه يمر بمرحلة وصفها بالمفصلية، تتطلب معالجة الأزمات البنيوية، وتعزيز الاستقلال الإستراتيجي، وإعادة بناء القدرات العسكرية والصناعية، والحفاظ على التماسك الاجتماعي والسياسي.

واختتم الباحث التركي تصريحه بالتأكيد أن السنوات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد موقع أوروبا داخل النظام الدولي متعدد الأقطاب، موضحًا أن نجاحها في تحويل أزماتها إلى فرصة للإصلاح قد يعيد إليها جزءًا من ثقلها الدولي، بينما قد يؤدي استمرار الانقسامات الداخلية والاعتماد المفرط على الحماية الأمريكية إلى تراجع وزنها الإستراتيجي، في وقت تبدو فيه تركيا، وفق تقديره، من أكثر الدول استعدادًا للاستفادة من هذه التحولات بفضل موقعها الجيوسياسي، وتنامي قدراتها العسكرية والصناعية، واتساع شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية.