النهار
جريدة النهار المصرية

مقالات

أشرف أبو عريف يكتب: نعشٌ في طهران وحضورٌ في القافلة: هل ترسمُ الجامعةُ العربية ملامحَ شرقٍ أوسط جديد؟

-

ليست كلُّ الرسائل تُكتبُ بالمِداد؛ فبعضُها يخطُّه التاريخُ بحركةِ دبلوماسيةٍ خاطفةٍ أو بحضورٍ مكثَّفٍ في لحظةِ رثاءٍ فارقة. وفي هذا الشرقِ المنهكِ حيثُ تتماهى الجغرافيا بالسياسة، قد تحملُ لفتةٌ بروتوكوليةٌ واحدةٌ من الدلالاتِ العميقةِ ما يفوقُ في وزنهِ مئاتِ البياناتِ الرسمية.موارد لغوية

توطئة: الحبرُ لا يكتبُ كلَّ شيء
إنَّ الحبرَ لا يكتبُ كلَّ شيء في عالمِ السياسة؛ فبعضُ الرسائلِ يخطُّه التاريخُ بحركةِ دبلوماسيةٍ خاطفة، أو بصورةٍ تلتقطُها عدسةٌ ذكية، أو بمصافحةٍ دافئةٍ في طقسٍ بارد، أو بحضورٍ مكثَّفٍ في توقيتٍ فارقٍ ومثقلٍ بالاحتمالات.

وفي هذا الشرقِ الحزين، الشرقِ الأوسطِ الذي يختلطُ فيه زئيرُ السياسةِ بأنينِ التاريخ، وتتداخلُ فيه التضاريسُ بالجغرافيا حتّى لتكادُ تتماهى الملامح، قد تحملُ لفتةٌ بروتوكوليةٌ واحدةٌ من الدلالاتِ العميقةِ ما يفوقُ في وزنهِ مئاتِ البياناتِ الرسميةِ الجافةِ التي تولدُ ميتةً في أروقةِ المكاتب.سياسة

ظلالٌ فوقَ العاصمةِ الصامتة
من هذا المنطلقِ الذكي، فإنَّ أيَّ مشاركةٍ رسميةٍ لجامعةِ الدولِ العربية في مراسمِ تشييعِ المرشدِ الأعلى للجمهوريةِ الإسلاميةِ الإيرانية، إذا ما تمَّت بقرارٍ جماعيٍّ متَّزنٍ من الدولِ الأعضاء، لن تكونَ بحالٍ من الأحوالِ مجردَ إجراءٍ بروتوكوليٍّ يفرضهُ العُرفُ ويقتضيهِ العزاء.

إنَّ حضوراً كهذا، في مشهدٍ مشحونٍ بالرمزيةِ والدموعِ والترقُّب، سيُقرأُ حتماً بوصفهِ رسالةً سياسيةً بليغة، تعكسُ حرصاً عربياً حذراً على إبقاءِ قنواتِ الحوارِ مشرعةً مع دولةٍ جارةٍ تمثّلُ، بوزنها وتأثيرها, أحدَ أبرزِ الفاعلينَ الإقليميين. يأتي هذا في وقتٍ يمرُّ فيه الشرقُ الأوسطُ بمخاضٍ عسير، وتشهدُ فيه توازناتُ القوى تحولاتٍ متسارعةً تشبهُ رمالاً متحركةً لا تستقرُّ على حال.

نحو أفقٍ جديد: تحريرُ القرارِ من القيود

وفي خضمِّ هذه التحولاتِ اللاهثة، يبرزُ تطلعٌ مشروعٌ ينادي بـ تحريرِ نشاطِ الأمينِ العامِّ لجامعةِ الدولِ العربيةِ من قيودِ المركزيةِ الصارمة، والانتقالِ به نحو رحابةِ اللامركزيةِ في الحركةِ والمبادرة. إنَّ الاختيارَ الذي تمَّ بالإجماعِ وبثقةٍ لافتة لمنصبِ الأمينِ العام، يمنحهُ التفويضَ المعنويَّ والتاريخيَّ للتحركِ بمرونةٍ تُواكبُ تسارعَ الأحداث؛ ولعلَّ هذا الإجراءَ الجريءَ يجدُ مكانهُ الطبيعيَّ ضمنَ مشروعِ تطويرِ دستورِ الجامعة، استجابةً لـ حتميةِ متغيراتِ الساعةِ التي لا تنتظرُ المترددين.

الشرقُ القديم.. الأوهامُ والخرائطُ الممزقة
تأتي هذه التطوراتُ الدراماتيكيةُ في ظلِّ نقاشاتٍ ممتدةٍ، معجونةٍ بالقلقِ منذ عقود، حولَ هويةِ ومستقبلِ هذه المنطقةِ المنهكة. لطالما ارتبطت هذه النقاشاتُ بمفاهيمَ ضبابيةٍ برّاقةٍ مثل “مشروع الشرق الأوسط الكبير”، ذلك المفهومُ الذي وُولدَ في مطلعِ الألفيةِ الجديدة من رحمِ التصوراتِ الغربية، وأثارَ من التفسيراتِ المتباينةِ والشكوكِ ما يكفي لإشعالِ قارة.

منظورُ الإصلاح: هناكَ مَن رأى في هذا المشروعِ آنذاك إطاراً نظرياً للإصلاح، والتحوّل، والتعاونِ الاقتصاديّ المفترض.

منظورُ الهيمنة: وفي المقابل، اعتبرهُ الكثيرونَ محاولةً فجّةً لإعادةِ تشكيلِ المنطقة، وتفكيكِ هويتها، وهندسةِ خرائطها وفقَ تصوراتٍ ومصالحَ تخدمُ القوى الكبرى وحلفاءها، دونَ التفاتٍ لخصوصيةِ الشعوبِ وأحلامِها.

فلسطين: البوصلةُ التي لا تخطئُ الشمال
لكنَّ التاريخَ، بكلِّ دروُسهِ القاسية، يعلّمنا أنَّ كلَّ هذه المشاريعِ الفوقيةِ ستبقى مجرّدَ أوهامٍ معلّقةٍ في الهواء، وأنَّ تحقيقَ سلامٍ عادلٍ، شامِلٍ ودائم، يبقى رهيناً بشرطٍ واحدٍ لا يقبلُ المساومةَ أو الالتفاف: تسويةِ القضيةِ الفلسطينيةِ وفقاً للمرجعياتِ الدوليةِ العادلة.

إنَّ الجرحَ الفلسطينيَّ هو مركزُ الجاذبيةِ في هذا الشرق؛ وبدونِ إقامةِ دولةٍ فلسطينيةٍ مستقلةٍ كاملةِ السيادة على حدودِ الرابعِ من يونيو/ حزيران 1967، وعاصمتها الأبديةِ القدسُ الشرقية، لن يكونَ هناكَ أساسٌ متينٌ لأيِّ استقرارٍ إقليميٍّ مستدام. ستبقى كلُّ التسوياتِ الأخرى قشوراً خارجيةً تذروها رياحُ الغضبِ عند أولِ اختبار.

سؤالُ الغد: هل نبتدئُ فصلاً جديداً؟
ويبقى السؤالُ الذي يفرضُ نفسهُ بقوةٍ وإلحاحٍ وسطَ غبارِ المشهدِ الجنائزيّ:

هل تُمثّلُ هذه التحركاتُ الدبلوماسيةُ الشجاعةُ بدايةَ فصلٍ جديدٍ وغير مسبوقٍ في العلاقاتِ العربية–الإيرانية؟

أم أنها مجرّدُ محطةٍ عابرةٍ أملتها بضعةُ أيامٍ من العزاءِ البروتوكوليّ، لتجفَّ بعدها الدموعُ وتعودَ الخلافاتُ إلى مربعها الأول؟

وحدها الأيامُ القادمة، وتطوراتُ السنواتِ القليلةِ المقبلة، تملكُ حقَّ الإجابةِ الشافيةِ عن هذا السؤالِ المفصليّ. لكنَّ المؤكَّدَ والثابتَ وسطَ كلِّ هذا الضباب، هو أنَّ الشرقَ الأوسطَ يقفُ اليومَ بكاملِ قاماته وأوجاعه أمامَ لحظةٍ تاريخيةٍ فارقة تستحقُّ منّا القراءةَ الهادئةَ العميقة، وشجاعةَ الحوار، والقدرةَ على استشرافِ آفاقِ المستقبلِ بعيونٍ مفتوحة، بعيداً عن الأحكامِ المسبقةِ التي أورثتنا لعقودٍ طويلةٍ مزيداً من الجفاءِ والدمار.