النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

الحرب الروسية الأوكرانية تدخل مرحلة أكثر خطورة.. تصعيد غير مسبوق وسيناريوهات مفتوحة

الحرب الروسية الأوكرانية
هالة عبد الهادي -

تشهد الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة جديدة من التصعيد العسكري، مع ارتفاع غير مسبوق في وتيرة العمليات القتالية وتبادل الضربات بعيدة المدى بين موسكو وكييف.

فخلال الأيام الأخيرة، نفذت روسيا واحدة من أكبر هجماتها الجوية منذ بداية الحرب، مستهدفة العاصمة الأوكرانية كييف بمئات الطائرات المسيرة، إلى جانب الصواريخ الباليستية وصواريخ "كروز". وطالت الضربات أحياء سكنية ومنشآت حيوية، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، فيما استمرت فرق الإنقاذ لساعات لانتشال الضحايا وإزالة آثار الدمار.

في المقابل، وسعت أوكرانيا نطاق عملياتها العسكرية داخل العمق الروسي، مستهدفة مصافي نفط ومستودعات وقود ومنشآت عسكرية تقع بعيدًا عن خطوط المواجهة، في محاولة لإضعاف القدرات اللوجستية لموسكو وتقليص قدرتها على دعم قواتها المنتشرة على الجبهات.

وفي تطور لافت، بدأت القوات الروسية الاعتماد بصورة أكبر على جيل جديد من الطائرات المسيرة النفاثة، التي تتميز بسرعات أعلى بكثير من المسيرات التقليدية، وهو ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بالنسبة لأنظمة الدفاع الجوي الأوكرانية.

المعارك البرية تشتعل في الشرق

وعلى الأرض، لا تزال جبهات القتال في شرق أوكرانيا تشهد مواجهات عنيفة، خصوصًا في إقليم دونيتسك، حيث تواصل القوات الروسية محاولاتها للتقدم والسيطرة على مزيد من المدن والبلدات، بينما تتمسك القوات الأوكرانية بمواقعها الدفاعية، مع تنفيذ هجمات مضادة كلما سنحت الفرصة لإبطاء التقدم الروسي.

أما في المناطق الحدودية شمال أوكرانيا، فتتواصل الهجمات الروسية باستخدام القنابل الانزلاقية والطائرات المسيرة.

وفي المقابل، كثفت كييف استخدام الطائرات المسيرة بعيدة المدى لاستهداف منشآت عسكرية واقتصادية داخل روسيا، بما في ذلك مواقع إنتاج الوقود ومستودعات التخزين، في إطار مساعيها للتأثير على خطوط الإمداد الروسية وتقليل قدرة موسكو على مواصلة عملياتها العسكرية.

كييف تطالب بمزيد من الدعم.. وموسكو تتمسك بأهدافها

وأكد الرئيس الأوكراني أن بلاده سترد على كل هجوم تتعرض له، مجددًا مطالبته للدول الغربية بالإسراع في تسليم أنظمة دفاع جوي إضافية وصواريخ اعتراضية، لمواجهة تصاعد الهجمات الروسية.

وعلى المستوى الدولي، تواصل دول حلف شمال الأطلسي "الناتو" مناقشة سبل تعزيز الدعم العسكري والسياسي لأوكرانيا، وسط مخاوف متزايدة من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى توسيع نطاق الحرب داخل القارة الأوروبية.

حرب استنزاف بلا نهاية قريبة

وتشير المعطيات الحالية إلى أن الحرب دخلت مرحلة استنزاف طويلة الأمد، تعتمد فيها روسيا على كثافة النيران والهجمات الجوية المتواصلة، بينما تراهن أوكرانيا على الضربات الدقيقة داخل العمق الروسي، إلى جانب استمرار الدعم العسكري الغربي.

ويعني ذلك أن الصراع مرشح للاستمرار خلال الفترة المقبلة، في ظل غياب أي مؤشرات جدية على انفراجة سياسية أو تقدم ملموس في جهود التسوية.

وفي هذا السياق قال الباحث في المعهد الأوكراني للدراسات الاستراتيجية إيفان أوس:"إن الحرب الروسية الأوكرانية دخلت مرحلة جديدة من التصعيد تقوم على حرب استنزاف متبادلة في العمق باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى".

وأوضح أن الضربات الأوكرانية داخل العمق الروسي تحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن كلفة الحرب أصبحت مرتفعة على موسكو، في حين تسعى روسيا للرد عبر استهداف البنية التحتية الأوكرانية وشبكات الإمداد والطاقة.

وأشار الخبير إلى أن تطور قدرات الطائرات المسيّرة غيّر شكل الحرب بشكل جذري، حيث أصبحت كييف قادرة على تنفيذ ضربات على مسافات بعيدة تصل إلى مئات بل آلاف الكيلومترات، وهو ما جعل الجبهة “غير تقليدية” وتمتد داخل أراضي الطرفين.

كما أكد أن التصعيد الحالي يتزامن مع حراك دبلوماسي دولي، ما يعكس محاولة كل طرف تحسين موقعه التفاوضي عبر الميدان العسكري قبل أي تسويات محتملة.

كيف تواصل أوكرانيا القتال؟

ورغم مرور أكثر من أربع سنوات على اندلاع الحرب، لا تزال أوكرانيا قادرة على مواصلة القتال، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى الدعم العسكري والمالي الضخم الذي تحصل عليه من الولايات المتحدة والدول الأوروبية وحلف شمال الأطلسي، والذي يمثل شريان الحياة الرئيسي للقوات الأوكرانية.

في المقابل، تراهن روسيا على عامل الوقت، إذ تعتقد أن إطالة أمد الحرب ستؤدي في نهاية المطاف إلى تراجع الحماس الغربي، وظهور انقسامات سياسية داخل الولايات المتحدة وأوروبا قد تنعكس على حجم المساعدات المقدمة لكييف.

أما أوكرانيا، فتعول على استمرار صمودها إلى أن تؤدي العقوبات الاقتصادية إلى زيادة الضغوط على روسيا، أو تطرأ متغيرات سياسية داخل موسكو قد تفرض مسارًا مختلفًا للصراع.

أربعة سيناريوهات لمستقبل الحرب

وبناء علي أراء الخبراء يتمثل السيناريو الأول في استمرار القتال بالمعدل الحالي، مع تحقيق مكاسب ميدانية محدودة، واستمرار تبادل الهجمات الجوية والصاروخية، وهو الاحتمال الأقرب في الوقت الراهن.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على زيادة الدعم الغربي لكييف، سواء عبر أنظمة دفاع جوي إضافية أو أسلحة بعيدة المدى، وهو ما قد يساعد أوكرانيا على إبطاء التقدم الروسي وتنفيذ ضربات أعمق داخل الأراضي الروسية، دون أن يعني ذلك حسم الحرب سريعًا.

في المقابل، يفترض السيناريو الثالث نجاح روسيا في تحقيق مكاسب أكبر إذا تراجع الدعم الغربي بشكل ملحوظ، أو إذا واجهت أوكرانيا صعوبات في تعويض خسائرها البشرية والعسكرية.

أما السيناريو الرابع، فيتمثل في العودة إلى طاولة المفاوضات، إلا أن هذا المسار يظل معقدًا، بسبب استمرار الخلافات الجوهرية حول الأراضي التي تسيطر عليها روسيا، وضمانات الأمن، ومستقبل العلاقة بين أوكرانيا والغرب.

ويبقى أخطر ما في المشهد هو احتمال وقوع أخطاء عسكرية أو احتكاكات غير محسوبة بين روسيا ودول حلف الناتو، وهو السيناريو الذي تسعى جميع الأطراف إلى تجنبه، لما قد يحمله من مخاطر توسيع نطاق الحرب بصورة غير مسبوقة.

وفي المجمل، لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية مجرد نزاع بين دولتين، بل تحولت إلى مواجهة مفتوحة بين روسيا وتحالف غربي واسع، في صراع بات يرتبط بشكل مباشر بموازين القوى الدولية، ومستقبل الأمن الأوروبي، وشكل النظام العالمي خلال السنوات المقبلة.