النهار
جريدة النهار المصرية

مقالات

الدكتور حامد محمود يكتب: عفوًا.. دبلوماسية القبلات لا تصنع سلامًا

د. حامد محمود
-

اتفاق الإطار، أم اتفاق فتنة؟ لبنان أمام مفترق طرق مصيري

هذه بعض من العناوين التى تداولتها الصحف اللبنانية والعربية عقب توقيع السفيرة اللبنانية فى واشنطن ندى معوض ونظيرها الصهيوني برعاية أمريكية مباشرة على اتفاق بينهما، وهو ما وضع لبنان كله في مأزق سياسي، هو الأخطر منذ غزو الجيش الاسرائيلى للبنان عام 1982 وما تبعه من الاتفاق الشهير اتفاق 17 مايو 1983، والذى حاول شرعنة الوجود المحتل.

تأتي خطورة هذا الاتفاق، في توقيته ومضمونه، كونه يمثل انقلابًا صريحًا ومكتمل الأركان على الأوراق السيادية والسياسية التي كان يمكن للبنان الرسمي الاستناد إليها لتحقيق مصالحه العليا وفرض انسحاب غير مشروط للاحتلال من الأرض اللبنانية المحتلة، وعلى رأسها "مذكرة التفاهم" الإيرانية - الأمريكية التي نصّت على وقف الحرب على لبنان بندًا أولًا ورئيسًا، وغير قابل للتجزئة أو التسويف.

ولعل رفض السياسى اللبنانى المخضرم نبيه بري رئيس مجلس النواب "لدبلوماسية القبلات" وما نتج عنها من اتفاق الإطار واصفًا إياه بأنه "لن يمر ولن يُطبق"، مع تركيزه على أن الاتفاق يهدد الوحدة الداخلية ويخالف السياق العربي والدولي، كما استعاد بصورة غير مباشرة تجربة اتفاق 17 مايو 1983، مشيداً بالمواقف الرافضة للاتفاق.

ومن المؤكد أن موقف نبيه بري ومعه معظم القوى الوطنية اللبنانية أعاد خلط الأوراق بالكامل.

فاللافت أن الرجل لم يكتف برفض الاتفاق، بل وصفه بأنه غير قابل للحياة، معتبراً أنه لا ينسجم مع البيئة العربية ولا مع التوازنات الداخلية اللبنانية، وأن الخطر الأكبر لا يكمن في بنوده فقط، بل فيما قد يولده من انقسام داخلي وفتنة سياسية ومذهبية.

وهذا التوقيت يحمل أكثر من رسالة.

الرسالة الأولى موجهة إلى الداخل اللبناني، ومفادها أن الحكومة لا تستطيع وحدها رسم الخيارات الاستراتيجية للدولة إذا كانت تفتقر إلى غطاء وطني واسع. فلبنان، بحكم نظامه السياسي، لا تُصنع فيه التحولات الكبرى بالأكثرية الحكومية، بل بالتوافق بين مراكز القرار الأساسية.

أما الرسالة الثانية فهي إلى واشنطن و"تل أبيب"، ومضمونها أن التوقيع لا يعني التنفيذ، وأن أي اتفاق لا يحظى بشرعية سياسية وشعبية واسعة قد يتحول إلى وثيقة معلقة أكثر منه إلى مسار قابل للتطبيق.

وتبدو الإشارة المتكررة إلى اتفاق 17 مايو ذات دلالة خاصة. فبري يستحضر تجربة اتفاق سقط رغم توقيعه الرسمي، ليقول إن التاريخ اللبناني مليء باتفاقات وُلدت على الورق، لكنها عجزت عن الصمود أمام التوازنات الداخلية. إنه تذكير بأن المشكلة في لبنان ليست دائماً في صياغة الاتفاقات، بل في البيئة السياسية التي يُفترض أن تحتضنها.

لكن، في المقابل، لا يمكن تجاهل أن هذا الموقف يضع الحكومة أمام مأزق حقيقي. فإذا أصرت على تنفيذ الاتفاق، فإنها تدخل في مواجهة سياسية داخلية مع رئيس المجلس وقوى وازنة. وإذا تراجعت، فإنها ستواجه ضغوطاً خارجية كبيرة، خصوصاً من الجهات الراعية للاتفاق. وبذلك، يصبح لبنان أمام اختبار معقد بين الالتزامات الخارجية والتوازنات الداخلية.

في النهاية

يمكن القول ان دبلوماسية القبلات والاحضان فى واشنطن قد نجحت فى محاولة فك مأزق نتنياهو بينما المعركة انتقلت من طاولة التفاوض إلى الساحة اللبنانية، وأن الاتفاق الذي وُقِّع في الخارج سيخضع الآن لاختبار الشرعية السياسية في الداخل.

فما بعد التوقيع قد يكون أكثر تعقيداً من التفاوض نفسه.

حامد محمود

كاتب وباحث سياسى