ضريبة السكر.. فرصة لنمو سوق المحليات البديلة أم عبء جديد على الصناعة والمستهلك؟

تدرس الحكومة فرض ضريبة صحية على المنتجات والمشروبات مرتفعة المحتوى من السكر، ضمن توجه يستهدف الحد من الاستهلاك المفرط للسكر والمساهمة في دعم منظومة التأمين الصحي الشامل، في خطوة يتوقع خبراء أن تعيد تشكيل خريطة استثمارات وتوسعات شركات الصناعات الغذائية في مصر، وتفتح الباب أمام نمو سوق المحليات البديلة، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات بشأن تأثيرها على الصناعة والأسعار والقوة الشرائية للمستهلكين، ومدى قدرتها على تحقيق أهدافها الصحية دون مخاطر اقتصادية.
وتشير المناقشات الجارية داخل القطاع الصناعي إلى أن الضريبة المقترحة قد ترتبط بنسبة السكر المضافة في المنتج، بحيث يتم فرض شرائح ضريبية تختلف وفقًا لمستوى المحتوى السكري، وهو ما قد يشمل المشروبات الغازية والعصائر والمشروبات المحلاة، إلى جانب الشيكولاتة والحلوى وبعض المنتجات الغذائية مرتفعة المحتوى من السكر.
ويرى متخصصون في قطاع الصناعات الغذائية أن تأثير الضريبة لن يقتصر على أسعار المنتجات، وإنما سيمتد إلى قرارات الاستثمار وخطط التوسع وتطوير المنتجات، إذ قد تضطر بعض الشركات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، إلى تمرير جزء من التكلفة الإضافية إلى المستهلك، بينما قد تتجه الشركات الكبرى إلى الاستثمار في إعادة صياغة منتجاتها وخفض نسب السكر لتقليل الأعباء الضريبية، وهو ما يتطلب استثمارات إضافية في البحث والتطوير واستخدام المحليات البديلة.
وفي المقابل، يتوقع محللون أن يسهم تطبيق الضريبة – حال إقرارها – في تسريع نمو سوق المحليات منخفضة السعرات، مع اتجاه الشركات إلى استخدام بدائل للسكر تساعدها على الحفاظ على الطعم المقبول للمستهلك مع تقليل العبء الضريبي.
وقد تستفيد محليات مثل الستيفيا والسكرالوز والإريثريتول والأسبارتام من هذا التوجه عبر زيادة الطلب عليها، إلى جانب جذب استثمارات جديدة في تصنيعها أو توزيعها، مع توسع الشركات في إنتاج منتجات "لايت" و"زيرو سكر". ويرى خبراء تغذية أن هذه البدائل يمكن أن تسهم في خفض استهلاك السكر، إلا أن فعاليتها في تحسين الصحة العامة ترتبط أيضًا بتغيير السلوك الغذائي وزيادة الوعي الغذائي، وليس بالاعتماد على الضريبة وحدها.
ورصدت "النهار" حالة من التحفظ داخل القطاع الصناعي، حيث تواصل غرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات المصرية، برئاسة المهندس أشرف الجزايرلي، المشاركة في المناقشات الدائرة مع الجهات الحكومية منذ طرح المبادرة قبل نحو عام، بهدف الوصول إلى آلية تحقق أهداف الصحة العامة دون أن تفرض أعباء كبيرة على المصانع أو تؤثر في تنافسية القطاع.
وبحسب مصادر مطلعة، تتضمن المناقشات الحكومية عدة سيناريوهات لفرض ضريبة على المنتجات مرتفعة المحتوى من السكر، من بينها نسب قد تصل إلى 30% على بعض الفئات، إلا أنه لم يتم حتى الآن الإعلان رسميًا عن الصيغة النهائية للتشريع أو نسب الضريبة المزمع تطبيقها.
وتسعى الحكومة، من خلال التشريع المقترح، إلى الحد من الأمراض غير السارية مثل السمنة والسكري وأمراض القلب والأوعية الدموية، التي ترتبط بعدة عوامل من بينها الإفراط في استهلاك السكريات.
وخلال الأسبوع الماضي، عقد وزير الصحة والسكان الدكتور خالد عبد الغفار اجتماعًا موسعًا بحضور وزيري الصناعة والاستثمار، أكد خلاله أهمية تعزيز الأنماط الغذائية الصحية، وتغيير العادات الاستهلاكية غير الصحية، بما يسهم في تحسين جودة الحياة، وزيادة العمر الصحي، وتخفيف العبء الاقتصادي على منظومة الرعاية الصحية، مع مراعاة الحفاظ على استقرار الصناعة الوطنية.
واستعرض الاجتماع بيانات عبء الأمراض غير السارية في مصر، التي تمثل نحو 86% من إجمالي الوفيات، إلى جانب مؤشرات الإصابة بالسكري وارتفاع ضغط الدم والوزن الزائد بين الفئات العمرية المختلفة، مع مناقشة دليل منظمة الصحة العالمية لخفض عوامل الخطر القابلة للتعديل.
كما اتفقت الوزارات المعنية على إعداد إطار متكامل للتشريع المقترح، يتضمن برامج للتوعية المجتمعية، والكشف المبكر، وتشجيع الشركات على خفض نسب السكر تدريجيًا، مع منحها فترة انتقالية لتوفيق أوضاعها.
وترى مصادر بالقطاع الصناعي أن الضرائب وحدها قد لا تكون العامل الحاسم في تغيير أنماط الاستهلاك أو مواجهة السمنة، معتبرة أن الحل الأكثر استدامة يتمثل في رفع الوعي الغذائي، وتشجيع المستهلكين على اتباع أنماط غذائية صحية.
ودعت هذه المصادر إلى دراسة العوامل المختلفة المسببة للسمنة، والتي تشمل نمط الحياة وقلة النشاط البدني والعادات الغذائية، مؤكدة أن تحميل قطاع معين المسؤولية الكاملة عن المشكلة قد لا يعكس الصورة الكاملة.
كما أشارت إلى أن الشركات توسعت خلال السنوات الأخيرة في طرح منتجات منخفضة السعرات أو خالية من السكر، استجابة لتغيرات الطلب، وأن البيانات الغذائية المدونة على العبوات تتيح للمستهلك معرفة السعرات الحرارية ومحتوى السكر وفقًا للمواصفات القياسية.
ويرى خبراء أن التوجه نحو خفض السكر قد يسرع من استثمارات الشركات في التقنيات الحديثة لتطوير المنتجات، والاعتماد بصورة أكبر على المحليات المصرح باستخدامها، وفي مقدمتها الستيفيا، إلى جانب زيادة الإنفاق على البحث والتطوير لتحسين جودة المنتجات والحفاظ على قدرتها التنافسية.

وفي تصريح للنهار قال الكميائي إبراهيم المانسترلي رئيس مصلحة الرقابة الصناعية سابقا، إن ضريبة السكر الجديدة علي المنتجات المحلاة من أبرز الملفات التي تؤثر علي مستقبل قطاع الصناعات الغذائية، لذا يستحق حواراً اقتصادياً وصناعياً واسعاً.
اوضح أن أي ضريبة جديدة لا يتحملها المصنع وحده، بل تنعكس في نهاية المطاف على سعر البيع النهائي، ليصبح المستهلك هو من يتحمل التكلفة الفعلية.
وتساءل، ما هي الدراسات الاقتصادية والاجتماعية والصحية التي استند إليها هذا التوجه؟ وهل تم تقييم تأثيره الحقيقي على الصناعة الوطنية والاستثمار والقوة الشرائية للمستهلك؟".
أضاف، هل نحن بصدد تطبيق تجارب دول أخرى تختلف عنا في مستويات الدخل وأنماط الاستهلاك؟.
وحذر الخبراء من الاضرار الاقتصادية من فرض ضريبة قد تتراوح من 20 الي 30% علي المشروبات والعصائر، حيث تضعف تنافسية الصناعة وتزيد من الضغوط علي القطاع والمستهلكين علي حد سواء، مؤكدين أن هذه الضريبة تطبق في المملكة العربية السعودية لكن بقيمة ريال تقريبا لكل لتر.
ويبقى السؤال المطروح أمام صناع القرار والقطاع الصناعي: هل ستنجح ضريبة المنتجات المحلاة بالسكر في تحقيق أهدافها الصحية والاقتصادية، أم ستتحول إلى عبء جديد على المصنع والمستهلك في آن واحد؟.

