النهار
جريدة النهار المصرية

حوادث

من رصاص الخرطوم لفخ الجيزة.. كيف تبخر حلم 480 طالبا سودانيا مع الثانوية؟

رمضان جمال -

لم يكن صباح 15 أبريل 2024 عاديا كغيره. في غرفتها بالخرطوم، كانت "ريتاج"، الطالبة السودانية، تراجع بتمعن دروسها استعدادا لحضور المراجعة النهائية ما قبل الامتحان. لم يشغل بالها سوى حلم الوصول لكليات القمة عقب اجتياز الثانوية العامة، لكن فجأة توقفت الحياة حين دوى صوت الرصاص في كل مكان، معلنا حربا طويلة الأمد بين الجيش وقوات الدعم السريع على السلطة.

في عجالة، لملمت ريتاج كل شيء داخل غرفتها، ولم تبقَ إلا الذكريات. لم تعد مذكرات الدراسة التي رتبتها طيلة عام بكل جد تشغل بالها؛ بل الهروب من جحيم الرصاص عبر ممرات الموت هو السبيل الوحيد للنجاة بسلام.
3 أشهر في ممرات الموت
بوجه شاحب ممتلئ بالدموع وملامح بددتها سنوات الانتظار، تركت "ريتاج" وأسرتها الخرطوم بلا رجعة. حاولت الأسرة أن تجد لنفسها ملاذا آمنا بالقرب من العاصمة أملا في عودة قريبة، لكن الأمور خرجت عن السيطرة في البلاد. تصف "أم آية" تلك الأيام القاسية في تصريحات خاصة لـ"النهار"، قائلة: "لأكثر من شهر ترددنا بين الشوارع والطرقات ولا شيء سوى الجثث ودوي الرصاص".

بعد 3 أشهر من الترحال بين الرصاص والنار، قصدت الأسرة قاهرة المعز كملجأ أخير، لتستقر في شقة سكنية مستأجرة بشوارع حي فيصل بالجيزة، كغيرها من آلاف الأسر النازحة.طوال 30 يوما، ظلت طالبة الثانوي تتابع أخبار الحرب عبر هاتفها؛ أملا في العودة وإكمال حلم الثانوية الذي تركته قبل شهر واحد من تحقيقه.

طوق نجاة أم فخ استغلال؟

مع خروج الأمور عن السيطرة، ظنت "ريتاج" أن الحلم انتهى، حتى لاح بصيص أمل. في مؤسسة "أبو ذر الكودة" السودانية، التي تمتلك فروعا في القاهرة والإسكندرية، تجمع شمل طلاب السودان الهاربين من ويلات الحرب.

هنا، اطمأن قلب "ريتاج"، لكنها لم تعلم ما ينتظرها. المأساة لم تنتهِ بانتهاء رحلة النزوح؛ إذ وجدت مع ما يقرب 480 طالبا آخرين أنفسهم في مأزق جديد، بعد أن أخبرتهم المؤسسة أنه لا توجد امتحانات ثانوية عامة سودانية في مصر لعام 2025، توضح "أم آية": "وقتها قالولنا مفيش امتحانات ثانوي سوداني في مصر حاليًا".

أوهام الثانوية المصرية

لم يبقَ أمام الطلاب سوى خيار التسجيل لأداء امتحانات الثانوية العامة المصرية. وافق أولياء الأمور أملًا في ألا يضيع مستقبل أبنائهم بعد أن أخبرتهم المؤسسة: "قالولنا هنسجل الطلاب عشان السنة متضيعش عليهم". لكن الحقيقة كانت مغايرة، حيث تكشف "أم آية" تفاصيل الفخ المالي: "أوهمونا أنهم هيسجلوا أولادنا في الثانوية المصرية بس كان همهم الفلوس الأول واللي يحصل يحصل".

تعلقت "ريتاج" بوعود المؤسسة السودانية في مصر، بكل ما تبقى لديها من أمل خوفًا من المجهول الذي واجهها في الخرطوم :"قالولنا كل حاجة مضمونة ونسجل للطلاب في الثانوي وهيمتحنوا مع الشهادة المصرية ". تحكي "أم آيه".

بدأت "ريتاج" دراسة مناهج جديدة لم تعلم عنها شيئا من قبل سوى العنوان. قضت هي و480 آخرين عاما كاملا من الجد والاجتهاد داخل المؤسسة السودانية بالجيزة، عاما مليئا بالتعب والخوف والانتظار، ليظل المستقبل معلقا والمصير مجهولا، تماما كما كان الحال في شوارع الخرطوم.

مطلع أبريل العام الماضي، طلبت المؤسسة السودانية من أولياء الأمور مبلغ مالي 13 ألف جنيه مصاريف الحصول على "رقم الجلوس"، تقول "أم آية" (إحدى أولياء الأمور أن المؤسسة أخذت من كل طالب مبلغ مالي 13 ألف جنيه مصريًا من أجل الحصول على رقم الجلوس قبل الامتحان بشهرين. لكن دون أن يوقع أحدًا من الطلاب على أي إستمارات "قالولنا دي ثمن الاستمارة ورقم الجلوس".

انتظرت "ريتاج" و480 طالبا آخرين حتى ليلة الامتحان "قالولنا هنروح نلاقيه في اللجنة"، لكن داخل اللجنة كانت الصدمة لجميع أولياء الأمور، الطلاب ليسوا في كشوف لجان "الثانوية العامة المصرية" بعد أن درسوا المناهج المصرية طيلة عامًا كامل."أنا دافعه لبنتي 81 ألف جنيه وفي الآخر مجلهاش رقم الجلوس وفي ناس تانية دافعة 50 و 60". تحكي "أم آية".

لم يقبل أولياء أمور الطلاب السودانيين، بهذا الأمر قصدوا "وزارة التربية والتعليم" لمعرفة أسباب عدم حصول أبنائهم على "أرقام الجلوس"، تفاجئوا أن المؤسسة لم تسجل الطلاب في نظام الثانوية "قالونا لو هما متسجلين كنا هنعمل لجنة خاصة لكن هما مش متسجلين خالص"، ظن الجميع أنهم وقعوا في فخ النصب "ولادنا بعد ما ذاكرو طوال السنة اكتشفوا أنهم ".

دخلت "ريتاج" في حالة يأس مرتين، الأولي؛ في الخرطوم حين هربت قبل امتحانات "الثانوية العامة" بشهر مُجبرة بسبب الحرب، أما الثانية في مصر حين وقعت في فخ النصب، أدركت أن كل شيء كانت تتمسك به لتحقيق "الحلم" تبخر في غضمة عين. لتزيد فشل دخول الامتحانات من حدة أوجاعها بين الماضي والحاضر والمستقبل المجهول. "السنة راحت عليهم ومحدش دفع فاتورتها غير أولادنا".

أمام مؤسسة "أبو ذر الكودة" نظم العشرات من أولياء أمور الطلاب السودانيين، وقفة احتجاجية، مطالبين برد حقوقهم كون المؤسسة خدعت أولادهم (الطلاب) بوهم دخول امتحانات الثانوية العامة المصرية، حاولت الإدارة لم الشمل لعدم كشف أمرها، عقدت اجتماعًا مع توعد لأولياء الأمور برد الأموال التي تحصلوها من الطلاب لكن كل ذلك كان مجرد تهدئة الأمور تقول "أم آيه" :"راحوا مضوا ناس مننا على ورق انهم ملهمش اي مستحقات ..يعني كده اتنصب علينا وكمان مرجعوش فلوسنا".

تأزم الأمر بين المؤسسة والطلاب السودانيين دفع العشرات من أولياء الأمور اتخاذ مجرى قانوني لاسترجاع حقوقهم خاصةً أن الإدارة مالطت في حل الأمور وديا بين الطرفين "رحنا اشتكينا وقدمنا كل المستندات والتحويلات البنكية"

محكمة جنح العمرانية بالجيزة، أدانت مالك مؤسسة "ابو ذر الكودة" للتعليم السوداني، وآخرين بالحبس 3 سنوات في واقعة النصب على الطلاب وزعمه قدرة مؤسسته على التحاق الطلاب السودانيين الراغبين في الحصول على الثانوية العامة المصرية، إلا أنه استأنف واكتفت المحكمة بحبس مع الشغل لمدة 6 أشهر.

أولياء الأمور اعتبروا أن حكم الجنح الصادر ضد "الكودة" نصر وشفاء غليل الطلاب الذين تبددت آمالهم بالوعود الكاذبة.