دور مصر المحوري في اتفاق واشنطن وطهران

لم يكن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران وليد اللحظة أو وليد المفاوضات المباشرة وحدها. فخلف هذا التقارب، كانت هناك تحركات دبلوماسية هادئة جرت في الظل، لعبت فيها القاهرة دورًا محوريًا في تهيئة المناخ السياسي وتقريب المسافات بين الجانبين، عبر اتصالات ممتدة ومساعٍ استمرت خلال الأشهر الماضية لتفادي انفجار إقليمي واسع كانت تداعياته ستتجاوز حدود المنطقة.
ولم يعد الحديث عن الدور المصري مجرد تحليلات سياسية، بل أكدته تصريحات مباشرة من أطراف الأزمة، فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن ترتيبات لعقد لقاءات ومشاورات بمشاركة مصر وقطر وباكستان لاستكمال مسارات التفاوض المتبقية وتثبيت الاتفاق، في إشارة واضحة إلى أهمية الدور الذي تلعبه القاهرة في هذه المرحلة الحساسة، ما يعكس إدراك واشنطن لدور مصر وأهمية العلاقات التي تتمتع بها مع مختلف الأطراف، وقدرتها على تحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ.
في المقابل، أكد وزير الخارجية الإيراني أن بلاده تعول على الدور المصري البناء في دعم التوصل إلى اتفاق نهائي مع الولايات المتحدة، وهو ما يعكس حجم الثقة التي تحظى بها القاهرة لدى الجانبين، وقدرتها على المساهمة في صياغة تفاهمات تضمن خفض التوتر وفتح آفاق جديدة للحوار.
ولم تقتصر الإشادة بالدور المصري على أطراف النزاع المباشرة، بل امتدت إلى دوائر دولية وإعلامية، فقد سلطت تقارير أمريكية، من بينها موقع "أكسيوس"، الضوء على التحركات المصرية، مؤكدة أن القاهرة لعبت دورًا محوريًا في تقريب وجهات النظر والمساعدة في التوصل إلى وقف لإطلاق النار وإنهاء المواجهة بين الطرفين، كما أشارت التقارير إلى الاتصالات المكثفة التي أجراها الرئيس الأمريكي مع عدد من قادة المنطقة، وفي مقدمتهم الرئيس عبد الفتاح السيسي، لمناقشة ما عُرف بـ"مذكرة التفاهم للسلام"، وهو ما يعكس حجم التنسيق القائم مع القاهرة في الجوانب السياسية والأمنية المتعلقة بالاتفاق.
وتركز الدور المصري خلال الأزمة على عدد من الملفات الحيوية، حيث شاركت القاهرة بالتنسيق مع شركائها في مناقشة ترتيبات مهمة تتعلق بتأمين حركة التجارة والملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق هرمز، وهي من أبرز القضايا التي كانت تشغل الولايات المتحدة والمجتمع الدولي. كما ساهمت في تقريب المواقف بين الأطراف المختلفة، وتشجيع التركيز على الحلول التي تساعد في تخفيف الضغوط الاقتصادية والخروج من دائرة العقوبات والتصعيد، إلى جانب دعم قنوات الاتصال المستمرة بين واشنطن وطهران لتجنب أي تعثر قد يهدد مسار المفاوضات.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور طارق فهمي، أن الإعلان عن جولات التفاوض والمشاورات بمشاركة القاهرة يعكس الثقل السياسي والدبلوماسي الذي تتمتع به مصر في المنطقة، موضحًا أن دورها يتجاوز الوساطة التقليدية، وأضاف أن الترحيب الأمريكي والتقدير الإيراني للدور المصري يؤكدان أن القاهرة تُنظر إليها باعتبارها طرفًا قادرًا على دعم تنفيذ التفاهمات والحفاظ على استمراريتها خلال المراحل المقبلة.
وتؤكد التطورات الأخيرة، إلى جانب البيان الرسمي الصادر عن وزارة الخارجية المصرية، أن التوصل إلى هذا الاتفاق لم يكن بعيدًا عن الجهود التي بذلتها القاهرة خلال الأشهر الماضية. فقد اعتبرت مصر أن الاتفاق يمثل خطوة مهمة نحو استعادة الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي. ومن خلال تحركاتها الهادئة وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، نجحت القاهرة في تقديم نموذج للدبلوماسية الفاعلة القادرة على احتواء الأزمات ودعم الاستقرار

