النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

خبير استراتيجي يكشف لـ”النهار” كيف يحوّل الاحتلال الإعمار إلى ورقة ابتزاز سياسي في غزة

غزة
عبدالرحمن كمال -

قال الخبير الاستراتيجي الدكتور محمد خليل مصلح إن مفاوضات التسوية الجارية بشأن قطاع غزة دخلت مرحلة جديدة وأكثر تعقيداً مع تسلّم الأطراف النسخة المعدلة الخاصة بتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، مشيراً إلى أن جوهر الخلاف لم يعد يقتصر على ترتيبات وقف إطلاق النار، بل امتد إلى قضايا السيادة والانسحاب وإعادة الإعمار ومستقبل إدارة القطاع بعد الحرب.

وأوضح مصلح، في تصريحات لـ"النهار"، أن التطورات التفاوضية الأخيرة تتزامن مع حراك وطني وفصائلي وإنساني واسع، يتمثل في اجتماعات التنسيق الوطنية ولجان الإعمار والجهود الرامية إلى بلورة رؤية فلسطينية موحدة للتعامل مع استحقاقات المرحلة المقبلة، ما يجعل المفاوضات جزءاً من مشهد سياسي وميداني أوسع يتداخل فيه الملف الأمني مع القضايا الإنسانية والتنموية.

وأشار إلى أن الورقة المعدلة المطروحة على الوسطاء تسعى إلى تجاوز العقبة التاريخية التي أفشلت جولات تفاوضية سابقة، والمتمثلة في الانتقال من مرحلة التهدئة المؤقتة إلى مرحلة التسوية المستدامة.

عقدة المرحلة الثانية

وبحسب مصلح، ترتكز الورقة الجديدة على ثلاثة محاور رئيسية تهدف إلى تثبيت أسس المرحلة الثانية من الاتفاق، وفي مقدمتها التوصل إلى صيغة تضمن وقفاً دائماً ومتبادلاً لإطلاق النار، بما يؤدي إلى إنهاء العمليات العسكرية بصورة مستدامة.

وأضاف أن هذا البند يمثل أولوية بالنسبة للمقاومة الفلسطينية التي تنظر إليه باعتباره ضمانة لوقف سياسة الاغتيالات والاستهدافات العسكرية التي رافقت مراحل الحرب المختلفة.

كما تتضمن الورقة، وفقاً للخبير الاستراتيجي، بنداً يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة، بما يشمل إزالة المواقع العسكرية والمنشآت الهندسية التي أقامها جيش الاحتلال خلال الحرب، وإنهاء ما يسمى بالمناطق العازلة التي فرضتها إسرائيل داخل القطاع.

وأوضح أن هذا البند يشكل إحدى أكثر القضايا حساسية في المفاوضات الحالية نظراً لارتباطه المباشر بمستقبل السيطرة الأمنية والعسكرية داخل غزة.

محاور السيطرة

ورأى مصلح أن جوهر الاستعصاء الإسرائيلي يتركز في المناطق والمحاور التي سيطر عليها جيش الاحتلال خلال الحرب، وعلى رأسها محور صلاح الدين والمناطق المرتبطة بالحدود الجنوبية للقطاع، إضافة إلى ما يعرف بالخط الأصفر والمحاور العسكرية التي استخدمت لإعادة رسم الجغرافيا الميدانية في غزة.

وأوضح أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تنظر إلى هذه المحاور باعتبارها أدوات تحكم استراتيجية تسمح لها بمراقبة حركة الأفراد والبضائع وفرض قيود على إعادة بناء القدرات الإدارية والعسكرية الفلسطينية داخل القطاع.

وأشار إلى أن التجربة السابقة المتعلقة بمحور نتساريم تمثل نموذجاً لهذا التفكير، حيث استُخدم المحور كأداة لعزل شمال القطاع عن وسطه وجنوبه والتحكم بالحركة السكانية والاقتصادية.

وأضاف أن القلق الإسرائيلي يتزايد من أن يؤدي الانسحاب الكامل إلى فقدان القدرة على التأثير المباشر في المشهد الأمني داخل غزة، الأمر الذي تعتبره تل أبيب تهديداً لمصالحها الاستراتيجية.

فيلادلفيا والحصار

وأكد مصلح أن محور صلاح الدين يمثل بالنسبة للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية أكثر من مجرد شريط حدودي، إذ يُنظر إليه باعتباره أحد أهم مفاتيح السيطرة الاستراتيجية على قطاع غزة.

وأوضح أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية تقوم على اعتبار هذا المحور نقطة مركزية في منع إعادة بناء القدرات العسكرية للمقاومة الفلسطينية، ولذلك ترفض تل أبيب التخلي عنه ما لم تحصل على ترتيبات أمنية واستخباراتية إقليمية ودولية بديلة تحقق الأهداف ذاتها.

وأضاف أن هذا التمسك يعكس قناعة إسرائيلية بأن الانسحاب الكامل من هذه المناطق قد يؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل القطاع بصورة لا تتوافق مع أهداف الحرب التي أعلنتها الحكومة الإسرائيلية.

أزمة نتنياهو السياسية

وفي الجانب السياسي، اعتبر مصلح أن التمسك الإسرائيلي بالمحاور العسكرية لا يرتبط فقط بالحسابات الأمنية، بل يتداخل بصورة مباشرة مع أزمة الائتلاف الحاكم ومستقبل حكومة بنيامين نتنياهو.

وأوضح أن السيطرة على هذه المناطق تحولت داخل الخطاب السياسي الإسرائيلي من إجراء عسكري مؤقت إلى رمز سياسي لما يسمى "النصر المطلق"، الأمر الذي يجعل أي انسحاب منها يُفسَّر داخل معسكر اليمين الحاكم باعتباره اعترافاً بالفشل الاستراتيجي.

وأضاف أن هذا الواقع يضع نتنياهو أمام معضلة داخلية معقدة، إذ إن القبول بالانسحاب قد يؤدي إلى تفكك الائتلاف الحاكم وإشعال صراعات سياسية داخل معسكر اليمين المتطرف.

كما أشار إلى أن الحكومة الإسرائيلية ترفض تسليم هذه المناطق لأي جهة فلسطينية، سواء كانت مرتبطة بالمقاومة أو بالسلطة الفلسطينية، لأن ذلك يفرض استحقاقاً سياسياً يعترف بوجود كيان فلسطيني قادر على إدارة القطاع، وهو ما يتناقض مع السياسات الإسرائيلية الرامية إلى إبقاء الانقسام بين غزة والضفة الغربية.

الإعمار كسلاح تفاوضي

وأكد مصلح أن ملف إعادة إعمار قطاع غزة لم يعد قضية إنسانية أو تنموية بحتة، بل تحول إلى إحدى أبرز أوراق الاشتباك السياسي والتفاوضي بين الأطراف المختلفة.

وأوضح أن الورقة المطروحة تتحدث عن خطة إعمار واسعة تمتد بين ثلاث وخمس سنوات، تبدأ بإعادة فتح المعابر بصورة كاملة والسماح بدخول المعدات الثقيلة ومواد البناء التي كانت تخضع لقيود إسرائيلية صارمة طوال السنوات الماضية.

وأضاف أن الخطة تشمل أيضاً إدخال عشرات الآلاف من الوحدات السكنية المؤقتة لإيواء النازحين، إلى جانب إزالة الركام وإعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء والاتصالات والبنية التحتية الأساسية.

إلا أن الخلاف، بحسب الخبير الاستراتيجي، لا يتعلق بالجوانب الفنية للإعمار، بل بالجهة التي ستشرف عليه وطبيعة العلاقة بين التمويل الدولي والاستحقاقات السياسية والأمنية المرتبطة به.

معركة السيادة

وأشار مصلح إلى أن الأطراف الدولية والإقليمية المانحة تسعى إلى إنشاء أطر إدارية وتكنوقراطية تتولى إدارة أموال الإعمار والإشراف على تنفيذ المشاريع، في حين تخشى قوى المقاومة الفلسطينية من أن يتحول هذا المسار إلى وسيلة لفرض ترتيبات سياسية لم تنجح إسرائيل في فرضها عسكرياً خلال الحرب.

ورأى أن جوهر الصراع يتمثل في محاولة بعض الأطراف الدولية والإسرائيلية استخدام ملف الإعمار كأداة ضغط لفرض تنازلات سياسية وأمنية تتعلق بمستقبل غزة وإدارتها وسيادتها.

في المقابل، تتمسك القوى الفلسطينية، وفقاً لمصلح، بمبدأ الفصل بين الحق الإنساني في الإعمار والإغاثة وبين الملفات السياسية والتفاوضية الأخرى، معتبرة أن إعادة إعمار ما دمره الاحتلال يجب ألا تكون مشروطة بأي تنازلات سياسية أو سيادية.

اختبار الوسطاء

وخلص الخبير الاستراتيجي إلى أن المفاوضات الحالية تواجه اختباراً حاسماً بين رؤيتين متعارضتين؛ الأولى إسرائيلية تسعى إلى تحويل المكاسب العسكرية المؤقتة إلى وقائع جيوسياسية دائمة تكرس الحصار وتربط الإعمار بالاعتبارات الأمنية، والثانية فلسطينية ترى أن أي عملية إعمار يجب أن تقترن بالانسحاب الإسرائيلي الكامل واستعادة السيادة الوطنية على القطاع.

وأكد أن نجاح المرحلة الثانية سيبقى مرهوناً بقدرة الوسطاء على تقديم ضمانات حقيقية تلزم الاحتلال بالانسحاب من المحاور العسكرية والمناطق التي يسيطر عليها، وتمنع استخدام الإعمار كورقة ابتزاز سياسي.

وحذر من أن استمرار الخلاف حول هذه القضايا الجوهرية قد يؤدي إلى تعطيل ملف إعادة الإعمار وإطالة أمد الأزمة، بما يفتح الباب أمام استمرار حرب الاستنزاف السياسية والميدانية في غزة لفترة أطول، ويؤجل فرص الوصول إلى تسوية مستقرة تنهي واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخ القطاع.