النهار
جريدة النهار المصرية

حوادث

الجثث هي اللي بتلاقيني”.. حكايات مصطفى الغواص مع الموت في أعماق النيل

مصطفي كساب الغواص
أسماء المزيكي -

لم يكن يدري الطفل ذو السنوات التسع، وهو يلهو على ضفاف المياه، أن حياته ستسير في طريق لم يختره بنفسه، طريق مليء بالحكايات الحزينة، والوجوه الغائبة، والأسر التي تنتظر على الشاطئ أملاً أخيرًا في عودة أحبائها.

يقول مصطفى الغواص، أبن مركز السنطة بمحافظة الغرببة البالغ من العمر 37 عاما، إن رحلته مع الجثامين بدأت قبل أن يدرك حتى معنى الموت، وكأن القدر كان يهيئه لمهمة مختلفة عن الجميع.

"أنا ما كنتش بدور على الجثث.. الجثث هي اللي كانت بتدور عليا"، بهذه الكلمات يلخص سنوات طويلة قضاها بين الماء والحزن يتذكر أول صدمة عاشها وهو طفل، عندما عثر بالصدفة على جثمان غريق لم يكن يعلم وقتها أن المشهد سيتكرر مرات لا تُحصى.

وبعدها بثلاث سنوات فقط، وأثناء قضاء إجازة صيفية مع أسرته في رأس البر، كان يسبح بعيدًا عن الشاطئ كعادته، مستمتعا بالمياه التي لم تكن تخيفه يوما، لكن لحظة واحدة كانت كافية لتغيير كل شيء.

فجأة، اصطدمت يده بشيء غريب تحت الماء، مد يده أكثر فأكثر، ليكتشف أنه رأس إنسان متوفى ظل الجميع يبحث عنه لأيام، خرج مذعورا من البحر، يركض نحو المنقذين، وأرشدهم إلى المكان حتى تمكنوا من انتشال الجثمان.

لم يكن ذلك آخر لقاء له مع الموت بعد عام أو عامين فقط، وبينما كان يغطس في مياه النيل مع أصدقائه، محاولا الوصول إلى القاع، مد يده أسفل شجرة غارقة فى النيل، فوجد ما لم يتوقعه أحد"مسكت رأس بني آدم.. رأس بس من غير جسم".

كانت صدمة جعلته يهرب من الماء، بينما فر أصدقاؤه من المكان خوفًا ورعبا، ورغم كل تلك المواقف، لم يقرر مصطفى يومًا أن يصبح غواصا متخصصا في البحث عن الغرقى، يؤكد أن الأمر لم يكن اختيارا شخصيا، بل طريقًا وجد نفسه يسير فيه خطوة بعد أخرى، يقول: "ربنا هو اللي رسم الطريق، وأنا ماشي فيه".

اليوم يقود مصطفى وفريقه عشرات عمليات البحث والانتشال في مختلف محافظات مصر، خاصة في المناطق التي يعجز فيها الآخرون عن الوصول إلى المفقودين.

لكن المهمة ليست سهلة كما يظن البعض، فالغوص في النيل يختلف تمامًا عن أي مكان آخر، الرؤية تكاد تكون معدومة، والغواص يعتمد على حاسة اللمس فقط، تحت الماء تنتشر أسياخ الحديد، والزجاج المكسور، والأشجار الغارقة، وشباك الصيد، والمراكب القديمة، فضلًا عن الثعابين والأسماك السامة والمخاطر التي قد تظهر فجأة من قلب الظلام.

يصف مصطفى الأمر قائلًا: "الغواص في النيل أعمى وسط بحر من الظلمات"، وفي كثير من الأحيان تستمر عمليات البحث أيامًا طويلة دون نتيجة ساعات لا تنتهي من الغوص، والأمل يتضاءل، بينما تقف الأسر على الشاطئ تنتظر أي خبر، لكن أصعب اللحظات بالنسبة له ليست الخوف أو الإرهاق، بل لحظات البحث نفسها.

يقول: "إحنا بندور عليهم بلهفة كبيرة.. ساعات وإحنا تحت الميه بندعي ربنا ونقول يا رب عثرنا عليه".

أما اللحظة الأجمل، فهي عندما يعود الجثمان إلى أهله، لحظة تختلط فيها الدموع بالراحة، وينتهي انتظار مؤلم ربما استمر أيامًا أو أسابيع طويلة.

ويؤكد أن بعض الأسر لا تزال تتواصل معه حتى اليوم، وأن هناك أما ما زالت كلما هاتفته تبكي وتقول له: "أنا بشم ريحة ابني فيك".

ورغم مئات الجثامين التي شارك في انتشالها، يعترف مصطفى أن حالة واحدة فقط جعلته يبكي.
لم تكن لطفل أو شاب أو أب فقد حياته.

بل كانت لكلب ظل يبكي بجوار جثمان صاحبه رافضًا الابتعاد عنه، مشهد يقول إنه لم يستطع نسيانه حتى الآن.

ورغم قصص الرعب التي عاشها في الأعماق، والأصوات الغامضة التي سمعها هو وغواصون آخرون أثناء البحث، ورغم الشعور أحيانًا بأن أحدًا يسير خلفه في قاع النهر، إلا أنه يعود دائمًا إلى الماء من جديد.

ففي كل بلاغ جديد، هناك أسرة تنتظر، أم لا تنام، أب يتمسك بأمل أخير، وأطفال يريدون فقط أن يعود أحباؤهم إلى البيت مرة واحدة.

لهذا يواصل مصطفى وفريقه المهمة التي يؤكدون أنها "لوجه الله"، دون مقابل من الأسر سوى توفير وسيلة نقل للمعدات فقط، فمن وجهة نظره، لا شيء أصعب من أن يجتمع على أهل الغريق ألم الفقد وتكاليف البحث.

ويبقى التحذير الذي يردده" مصطفي"، بعد سنوات طويلة من مواجهة الموت في النيل"أكبر سبب للهلاك هو الثقة الزائدة بالنفس النيل مالوش كبير، غرق فيه سباحين محترفين وغواصين، وكل يوم بيأكد لنا إنه أقوى من أي حد يستهين بيه".