النهار
جريدة النهار المصرية

رئيس التحرير

أسامة شرشر يكتب: اتفاق باكستان يهزم غرور ترامب وكبرياء إيران

أسامة شرشر - رئيس تحرير جريدة النهار
-

يبدو أن غرور القوة قد سيطر على ترامب؛ لدرجة أنه حاول أن يجعل توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران يوم 14 يونيو الموافق لعيد ميلاده الثمانين، كما أن الكبرياء سيطرت على إيران لرفض هذه المحاولة بكل الطرق؛ لدرجة أنهم أرسلوا موافقتهم على مسودة الاتفاق بعد مرور دقائق على منتصف الليل بعد انتهاء يوم 14 يونيو وحرموا ترامب من لقطة استعراضية لها دلالتها الرمزية الخطيرة، وكما قلت سابقًا فإنه في بعض الأحيان (مطلوب أن تركب سيارة عدوك حتى تصل إلى هدفك) وهذه كانت رسالتي للحرس الثوري الإيراني، لأن مقدرات الشعوب والحضارات لا يتم التعامل معها بالانفعالات أو التصريحات العنترية والشعارات بل بالموضوعية والعقلانية والحكمة الرشيدة.
فالصدام المستمر منذ شهور بين الغرور الأمريكي والكبرياء الإيرانية، دفع ثمنه العالم أجمع، فكلا الطرفين تمسك بموقفه
حتى لو احترقت شعوب العالم في نيران ارتفاع الأسعار والتضخم بعد تعطل مصادر البترول والغاز الطبيعي والبتروكيماويات في الخليج العربي عن التوريد بسبب إغلاق مضيق هرمز من الطرفين، وأكثر من دفع ثمنه هم شعوب دول الخليج الذين دفعوا فاتورة حرب لم يكونوا طرفًا فيها، ولم يؤخذ رأيهم بها، وكانت تداعياتها على الدول العربية بأسرها ومنها مصر التى حاول البعض النيل منها، وهم لا يدركون أن جينات وشفرات الدولة المصرية أكبر من الصغائر والأقاويل والشائعات التى حاولوا فيها أن يروجوا أن مصر قد تأخرت على أشقائها، رغم أن مصر كانت في المقدمة دائمًا بدعم لوجستي ومعلوماتي، واسألوا قادة دول الخليج المحترمين.
وقبل كل شىء، لا بد أن نرفع القبعة ونعطي كل ذي حق حقه، ونشيد بالدور الباكستاني الرائع الذي بذل أقصى ما يمكن بذله من جهود، للوصول إلى نقطة تلاقٍ والتقاء بين الجانب الأمريكي والجانب الإيراني.
فلقد تفوق شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، على نفسه، وكان صاحب الطلقة الأولى في التفاوض، ومعه المشير عاصم منير، رئيس الأركان، هذا الرجل الذي قام بدور مكوكي بين طهران ونيويورك، ونجح بامتياز في إحداث نقلة نوعية للوصول إلى مذكرة تفاهم.
ولا ننسى محمد إسحق دار، وزير الخارجية الباكستاني، ومعه محسن نقوي، وزير الداخلية، الذين مكثوا لساعات وأيام طويلة في طهران للتوصل إلى صيغة تفاهم بين الطرفين العنيدين للوصول إلى اللحظة الحاسمة بإعادة فتح مضيق هرمز وإحداث انفراجة خطيرة في سوق البترول والغاز والبتروكيماويات وسلاسل الإمداد العالمية.
وهنا لا بد أن نذكّر الجميع بما كشفه الجانب الباكستاني وإشادته بالدور المصري الكبير في هذا الاتفاق، وكذلك الدور التركي والسعودي، فلقد لعبت تركيا دورًا محوريًّا بالتسيق بين الدول الكبار مصر وباكستان والسعودية، ناهيك عن المحرك الأول لهذه المفاوضات وهي سلطنة عُمان ووزير خارجيتها بدر البوسعيدي، وفي اللحظات الأخيرة لا بد أن نشيد أيضًا بالدور المكوكي الذي قام به محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري، والذي وضع اللمسات الأخيرة لهذه الولادة القيصيرية التى كاد الجنين (الاتفاق) يموت فيها في غرفة العمليات السياسية (جولات التفاوض)، ولكن تم منحه (أكسجين سياسي) وعاد للحياة مرة أخرى، فحدثت الانتعاشة في السوق العالمية.
وبعد إعلان الاتفاق، تم الإعلان أنه سيتم إعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، ثم تبدأ مسألة التفاوض على الملف النووي الإيراني، وهو الأهم، وستتولى وكالة الطاقة الذرية الإشراف على عملية تخصيب اليورانيوم الإيراني، بالإضافة إلى فك تجميد الأموال الإيرانية ورفع العقوبات، وستعود إيران لتكون دولة طبيعية لها كل الحقوق وعليها كل الالتزامات الدولية، ليبدأ العالم في التنفس بعد طول انسداد لكل آفاق التفاوض بسبب الغطرسة الأمريكية والكبرياء الإيرانية.
وكنت أتمنى أن تكون مراسم توقيع الاتفاق يوم 19 يونيو الجاري في باكستان وليس في جنيف.
فهل سيصمد هذا الاتفاق وتنتهى الأزمة الإيرانية الأمريكية؟ أم أن الأيام والساعات القادمة ستكشف ما لا يتوقعه أحد؟
كفانا استديوهات تحليلية، لأن الكلام أصبح متشابهًا، حتى (تعب الكلام من الكلام).
وأقترح بعد انتهاء هذه الأزمة أن تقود مصر مع دول الخليج العربي والدول العربية الفاعلة تحركًا في اتجاه عقد اتفاق مباشر مع إيران؛ حتى يتم حصار المشروع الصهيوني الإسرائيلي وإنهاء حلم تحويل (إسرائيل الصغرى) إلى (إسرائيل الكبرى) التى فشلت، ولم تنجح كدولة كبرى عسكريًّا أو سياسيًّا أو اقتصاديًّا في منطقة الشرق الأوسط، في ظل وجود الدول الإقليمية الفاعلة وهي مصر والسعودية وتركيا وباكستان وإيران.
وآن الأوان أن يعود ملف إعادة إعمار غزة إلى صدارة القضايا في المنطقة، وأن تتسلم اللجنة الفلسطينية المشكّلة لإدارة قطاع غزة عملها، مع تجميد سلاح حماس أو إعطائه للسلطة الفلسطينية أو مصر، حتى نحاصر اليمين المتطرف الإسرائيلي ونمنع الكارثة الكبرى التى تسعى من خلالها إسرائيل لتفكيك الضفة الغربية واستيلاء المستوطنين الإسرائيليين على أراضيها، وكذلك لنوقف محاولاتهم المستميتة لتغيير هوية القدس الشريف من خلال هدم المباني التاريخية وحصارها.
وبعد إتمام اتفاق باكستان بين أمريكا وإيران بدعم الدول العربية الفاعلة، فإنه لا بديل عن حل الدولتين وهو الطريق الوحيد لاستقرار منطقة الشرق الأوسط، وأعجبني تأكيد الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، على أن المملكة لن تدخل في الاتفاق الإبراهيمي إلا بعد حل الدولتين.
بالإضافة إلى ضرورة الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني، والتأكيد على أن شرعية القرار وشرعية التفاوض في يد الرئيس اللبناني جوزيف عون وحكومته، وعلى حزب الله أن يعي الدرس حتى لا يتم القضاء على البقية الباقية من لبنان وشعبه صاحب التاريخ والحضارة والأرض، وحتى نحافظ على ما تبقى من الدولة اللبنانية التى هي في قلب كل عربي، وحتى لا تتحول بيروت إلى غزة أخرى، لأن صدمة نتنياهو كانت كبيرة بإتمام الاتفاق، لدرجة أنه حاول حتى اللحظات الأخيرة تفجير الاتفاق بضرب الضاحية الجنوبية لبيروت، وسيحاول في المرحلة القادمة أن يفعل ما لا يتوقعه أحد لفك هذا الاتفاق بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة.
أيتها الميليشيات المدعية كفاكم استخفافًا بشعوبكم وأراضيكم وحدودكم؛ فصرخات الشهداء ستقضّ مضاجعكم.
وأكررها مجددًا: كفى الميليشيات لعبًا بمصائر الشعوب والدول.
أفيقيوا يرحمكم الله.