”حشد”: تعديلات قانون الانتخابات خطوة إيجابية لكنها لا تعالج أزمة الشرعيات والانقسام

رحبت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد" بالتعديلات الأخيرة على قانون الانتخابات العامة، معتبرة أنها تتضمن جوانب إيجابية من شأنها توسيع المشاركة السياسية وتعزيز التمثيل المجتمعي، لكنها شددت في الوقت ذاته على أن هذه الخطوة تبقى غير كافية ما لم تندرج ضمن مسار وطني شامل يعالج الأزمة البنيوية التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني.
وقالت الهيئة، في بيان صحفي صدر اليوم الإثنين، إن الانتخابات الحرة والنزيهة والدورية تمثل حقاً أساسياً للشعب الفلسطيني واستحقاقاً دستورياً ووطنياً طال انتظاره بعد سنوات طويلة من تعطيل الحياة الديمقراطية وتراجع الثقة بالمؤسسات وتآكل الشرعيات السياسية.
وأكدت أن الاحتكام إلى الإرادة الشعبية يشكل المدخل الطبيعي لتجديد الشرعيات وتعزيز المشاركة السياسية وتطوير النظام السياسي الفلسطيني، مشيرة إلى أن أي عملية إصلاح حقيقية يجب أن تستند إلى الشراكة الوطنية والتوافق السياسي الشامل.
وأشادت الهيئة بما تضمنه القرار بقانون من تعديلات وصفتها بالإيجابية، وفي مقدمتها زيادة عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 200 عضو، وخفض نسبة الحسم إلى 1 بالمئة، وتعزيز تمثيل المرأة عبر اشتراط وجود امرأة واحدة على الأقل بين كل ثلاثة مرشحين، إضافة إلى خفض سن الترشح إلى 23 عاماً.
ورأت أن هذه التعديلات يمكن أن تسهم في توسيع مشاركة الشباب والنساء والقوائم الصغيرة والمستقلين، وتعزز التعددية السياسية واتساع التمثيل المجتمعي داخل المؤسسات المنتخبة.
تحذير من المسار الأحادي
وفي المقابل، اعتبرت "حشد" أن القيمة الحقيقية لأي تعديل قانوني لا ترتبط فقط بمضمونه الفني أو الإجرائي، وإنما بالسياق السياسي والدستوري الذي يصدر فيه ومدى مساهمته في معالجة الأزمات العميقة التي يواجهها النظام السياسي الفلسطيني.
وأشارت إلى أن التعديلات الأخيرة لم تأتِ نتيجة حوار وطني شامل أو توافق سياسي جامع، بل جاءت ضمن سلسلة من الإجراءات والقرارات الأحادية التي مست بنية النظام السياسي ومؤسساته الدستورية خلال السنوات الماضية.
وأضافت أن استمرار الانقسام السياسي والجغرافي والمؤسساتي، وتعطل جهود المصالحة الوطنية، وتراجع دور المؤسسات التمثيلية، كلها عوامل تجعل من الصعب تحقيق إصلاح سياسي حقيقي من خلال التعديلات القانونية وحدها.
كما لفتت إلى استمرار حالة الالتباس بشأن طبيعة النظام السياسي الفلسطيني والعلاقة بين مؤسسات السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية ومؤسسات دولة فلسطين، في ظل غياب رؤية وطنية واضحة تحدد أدوار هذه الأطر المختلفة ووظائفها خلال المرحلة الراهنة.
تحديات المرحلة
وأكدت الهيئة أن النقاش حول الإصلاح السياسي والانتخابات يأتي في ظل مرحلة وصفتها بالأخطر منذ عقود على القضية الفلسطينية، في ضوء استمرار حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، وتصاعد مشاريع الاستيطان والضم والتهويد في الضفة الغربية والقدس المحتلة، إلى جانب استهداف حقوق اللاجئين الفلسطينيين ومحاولات تصفية الحقوق الوطنية.
وشددت على أن أي مسار انتخابي يجب أن يكون جزءاً من رؤية وطنية شاملة لمواجهة هذه التحديات، لا مجرد استحقاق إجرائي منفصل عن السياق الوطني العام.
وأضافت أن الديمقراطية لا تقتصر على إجراء الانتخابات أو التنافس على المقاعد، بل تمثل منظومة متكاملة تقوم على المشاركة والشراكة والتعددية واحترام الإرادة الشعبية وسيادة القانون، مؤكدة أن الإيمان بالديمقراطية لا ينبغي أن يُستخدم لتبرير الإقصاء أو التفرد أو تجاوز التوافق الوطني.
مخاوف من التعثر
وأعربت الهيئة عن قلقها من طبيعة المسار الانتخابي المقترح، معتبرة أن غياب الضمانات الواضحة لإجراء الاستحقاقات بصورة متزامنة وشاملة قد يؤدي إلى تكرار تجارب التأجيل والتعثر السابقة.
وأشارت إلى أن استمرار العراقيل الإسرائيلية، خصوصاً في مدينة القدس المحتلة، يثير تساؤلات جدية حول إمكانية تنفيذ الانتخابات بصورة شاملة، فضلاً عن غياب الآليات الواضحة التي تضمن مشاركة الفلسطينيين في القدس وقطاع غزة والضفة الغربية وأراضي عام 1948 ومخيمات اللجوء والشتات.
كما حذرت من اللجوء إلى بدائل قد تؤدي إلى إعادة إنتاج المحاصصة السياسية أو التعيين غير المباشر على حساب الانتخاب الحر والشرعية الديمقراطية.
مطالب إصلاحية
وطالبت الهيئة بوقف السياسات والإجراءات الأحادية المتعلقة بالملف الانتخابي والإصلاح السياسي، والدعوة إلى حوار وطني شامل تشارك فيه جميع القوى والفصائل الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية.
كما دعت إلى التوافق على رؤية دستورية وسياسية واضحة تحدد طبيعة النظام السياسي الفلسطيني والعلاقة بين مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية ودولة فلسطين، وضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهة وشاملة ومتزامنة ضمن جدول زمني واضح وملزم.
وطالبت أيضاً بتوفير الضمانات القانونية والسياسية التي تكفل مشاركة الفلسطينيين كافة في الوطن والشتات، بما في ذلك سكان القدس المحتلة، إلى جانب دراسة واعتماد منظومة وطنية متكاملة للتسجيل والتصويت الإلكتروني أو الهجين وفق أعلى معايير النزاهة والشفافية والرقابة القضائية المستقلة.
وأكدت الهيئة في ختام بيانها أن الإصلاح السياسي الحقيقي لا يتحقق عبر تعديل القوانين أو إصدار المراسيم فقط، وإنما من خلال إنهاء الانقسام وإطلاق حوار وطني شامل وإعادة بناء المؤسسات الوطنية على أسس ديمقراطية وتمثيلية، مشددة على أن الانتخابات يجب أن تشكل مدخلاً للوحدة الوطنية واستعادة الشرعية الديمقراطية وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني، لا وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام والأزمات المتراكمة.

